:: التغطية الإعلامية ::
هذا المروان الفلسطيني
وأسرانا.. البرق الأبيض
إلى مروان البرغوثي، الاسم الحركي للإنتفاضة
-
بقلم
مراد السواني*
-
صحيفة
الحياة الجديدة
هذا المروان
القادم من سطوة البرق الهادر والموج الحلو.. هذا
المروان
الفلسطيني الذي يصر على الحياة مثلما هو سعيد العتبة وأبو علي يطا والكبار
الذين
منحوا الحياة إيقاعها الصعب.. والمؤدون والمؤبدات يرفعون الشمس على أكف الفعل
لتزهر
البلاد بالحناء وقامات الدم المقدس.. والنشيد العاتي.. هذا المروان الذي يفتح
نشيدنا
الحر، ويذهب بنا إلى آفاق الحرية والإصرار والاقتدار.. هذا المروان المحاصِر
الصلب..
والعنيد الصعب الذي ترك في الشباب جمرة الانتفاضة لتضيء وتبقى كذلك.. هذا
المروان
الذي له هذا النشيد وهذا الدوزان وهذا الوفاء.. هذا المروان اقتراح
الانتفاضة وماؤها القراح.. والجسور الرحب والمعافى الأكيد.. هو عطاء شعبنا العظيم..
والنص
الثوري.. هو هو.. مروان البرغوثي.. برقنا الرحيم ونداء الأنساغ
الخضراء..
*
الكتابة
عن الأسرى تبدو لدى الكثيرين مجازفة غير محسوبة النتائج،
أو ربما،
لغواً فكرياً، ويحق للبعض أن يعتبرها شطحاً لا يصح عليه نقل ولا عقل، بلغة
المتصوفة، أو هذياناً.. كيف لا.. وكل شيء ينقلب إلى ضده، ويعلن الوجود قانون
المغايرة
والاختلاف. حتى بات الحديث عن بديهيات وجودنا الفلسطيني جنوناً.. والإصرار
على
الثوابت جموداً لا تقتضيه ممكنات السياسة وأحابيل الساسة البهلوانيين الذين
- في
معظم طرائقهم - يتقنون الدجل والرقص على الحبل.. والتلون الحرباوي تحت ذرائع
التكتيك
البارد وتبرير السقوط المهين.
*
والآن
وقد قال شعبنا كلمته : لا حل
دون
إطلاق سراح الأسرى.. فإن من الضروري والملح أن يقفز ملف المعتقلين ليستقر على
طاولة
المفاوضات دون لبس أو مناورة أو مداورة.. لتتقدم قضيتهم وتأخذ الصدارة
والأولوية.. أما آن الأوان أن نتذكر سرب نوارس الشهداء الذي تضرج في زنازين الموت
البطيء
وإرهاب أعتى احتلال على سطح كوكبنا الأرضي.. ونتذكر (وكم نسينا) معارك
الأمعاء
الخاوية التي خاضتها الصفوة.. الصفوة من أبناء شعبنا في باستيلات النقيض
وغرف
تحقيقه.. فكم من أضلع طحنت.. وأظافر نزعت.. وأرواح أزهقت ومازالت كهرباء حقد
العدو
تشق دهاليز عظام الصابرين الصادقين في ظلمة الرهبوت وأقبية التحقيق، أولئك
الذين
تشق نظراتهم بر الصمت العربي والدولي لتؤكد لنا : بأنهم يدفعون يومياً ضريبة
دفاعهم
عن وجودنا ومقدساتنا وشرفنا، وأن دماءهم التي نزفت في غير خيمة وسجن بصقت في
وجوه
المدعين والمقامرين والراقصين على جراحنا كالدببة.. نقول ذلك ونشعر أَنَ
الحقيقة
ما زالت نائمة فرحم الله من أيقظها.. وكلمة الحق غائبة فهل من يهزها بجرأة
الصدق..
أم أن على قلوبنا أَقفالها وعلى أعيننا عباءات ليل..
*
ومن حقنا
أن
نتساءل :
ماذا قدمنا للأسرى؟ وما هي الحال التي تعيشها أسرة المعتقل؟ من ذا الذي
يطرق
أبوابهم ويذرف دمع الخبز والحليب على عتبات فقرهم وكلالهم.. ويربت على كتف
صغارهم
ذات عيد ويهدهد لوعتهم المخنوقة وأنفاسهم المكتومة.. ومَنْ الذي يرفع عقيرته
ليصرخ
أمام البلاد والعباد بأن النقيض يحول المعتقلات إلى أقفاص ذل وموت
استراتيجي.. أَنَ العدو ماضٍ في استحداث أفانين القتل بحق الأسرى ليرتفع معراج
تضحياتهم
إلى الأعالي ويلامس سقف سمائنا المكلومة.. ويستمر المعتقلون في تحويل
باستيلات
القهر وزنازين العزل الفردي والجمعي إلى أكاديميات فداء وشموع تضحية
للتأكيد
بأن غطرسة السجان وهزيم رعود مفاتيح زنازينه لن تزيد قلوبهم إلا اشتعالاً
بحب
الوطن والانحياز لترابه وليله ونهاره.. ولن تمنعهم من أن يهجسوا بفلسطين غزالة
أمتنا
السارحة.. وبرقنا الأبيض وحلمنا المحتوم وثابتنا الأكيد رغم متغيرات آلة
العولمة
ومستحدثات النظام الدولي المغازل لعدونا الذي حول وطننا بجهاته اللاهبة إلى
سجن كبير
وقيد مكين.
*
وبعد..
أما آن لتجربة الاعتقال الفلسطيني أن تدون..
ولسفر
الجهاد الفلسطيني في سجون النقيض أن يُحبَر بدأب نمل الكتابيين وإصرار
زيتوننا
الجريح على المواجهة والبقاء..
أما آن
لما حققته الحركة الأسيرة من
إنجازات
وتضحيات.. جسام وسجل بطولة ناصع أن يحفظ ولما خطته أقلام الأحرار أن يبقى..
فصراخهم
ودوي قلوبهم ملأ رنينه الأبعاد والأمداء ليعلن أحقيتهم الأسرى في أن يكونوا
بين
ذويهم وأُسرهم؛ لأن أياديهم الخيرة والمباركة ما زالت تصنع التاريخ وتحفر
علامات
الفخر على جبهة الزمن وتثبت حقيقة ناصعة : بأن الاحتلال يستدعي المقاومة..
والعين
بالعين والسن بالسن والعدو تجاوز ألف حد ومقدس وداس على كل شيء، فاعتبروا يا
ذوي
الأبصار..
*
يتقدم
الأسرى ويقذفون صدورهم العارية إلا من إيمانهم بعدالة
قضيتهم،
على بطش النقيض ومحمولاته وآلاته.. صرخوا وشقوا شجر القلوب لزلزلة النيام
والمطفأين، لتخرج أرض روحهم أثقالها.. ويحدث التاريخ أخبارها..
*
تأخرنا
فتقدموا.. جبُنا فشجعوا.. انكفأنا فامتدوا في الشجر والحجر وقنبلوا النشيد والكلام
الجاهز..
بررنا وناورنا فانحازوا لدمهم المستباح ورشقوا بجمراته وجوه الغزاة وغنوا
نداء
الحياة.. أخذنا حقنا وحق غيرنا.. فآثروا على أنفسهم وتوجونا على عرش البراري..
نسيانهم
على غفلة مفاوض فذكرونا بهم وبنا.. والحزن بالحزن يذكر.. تسلَقت علينا
طفيليات
حب الذات والأنانية والصعود على جماجم الأطفال.. فانتبذوا الأقاصي (السجون)
وشزرونا
لإعلان البراءة من الرجس الذي عم وساد. اقتتلنا على شق تمرة فزرعوا نوى
قلوبهم
على السياج، في الحارات والأزقة والمخيمات.. ورفعوا كلامهم نجوماً تهزأ
بالعتمة
وتفك ستائر الليل وتهمز خيل الجراح على قمم جبالنا في الشعاب والوديان..
وكل
مكان.. لتصهل بأن الرماة على ظهر أُحد.. وأن صليات حناجرهم أقوى من هدير مدافع
النقيض
وقذائف الموت الحمراء..
أَتقنا
النفاق فأتقنوا جرأة الحق.. هللنا
لِـ"الآخر" الذي كان ولما يزل نقيضاً.. فهلهلوا (الأسرى) انتصار بياضهم على غبش
العدو
وسديمه.. قفزنا كقطط عجفاء ذات اليمين وذات الشمال فانتصبوا محدقين في غدهم
وفتحوا
الأسئلة فاحترق الكلام، ورنت قيودهم فأيقظت (إن أَيقَظت) السواكن والرواكد
في
امتدادات وطننا طولاً وعرضاً.. تسولنا على قارعة أَمريكا وبسطنا الأكف لما جاد
به صندوق
النقد الدولي.. وذهبنا الأسود المسروق.. تسولنا (وأُجبر الكثير).. فأَنكر
المنسيون
طبائعنا وجاحوا : "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" و"تأكل الهرة بنيها وهي
مغمضة
عينيها"..
تَثاقلنا إلى
الحرب لأن رغد السلام (المزعوم، طبعاً والذي يحسبه
الظمآن
ماء)، أَتَخمنا وأوقعَنا في أَريحية الرضى ولذة القبول وسياسة الانبطاح
والعدمية..
وجدنا التجارة
بالأرواح والمهج والذهب والبلاد والدم فتاجرنا.. فبذل
المنسيون
أعمارهم رخيصة، وتلك تجارة لن تبور..
*
ليس
غريباً أن يعيد العدو
إنتاج
المكان؛ مكاننا إلى محطات إبادة متنقلة، عبر قائمة التعذيب العصري وفن
الإبادة.. وليس غريباً أن تتحول المعتقلات إلى مختبرات وعينات بحث أمام طلبة
الجامعات
في إسرائيل، حيث يزور هؤلاء الطلبة في جولات بحثية دراسية المعتقلات
لإجراء
أبحاثهم وتقاريرهم عن "المتوحش"، "الإرهابي"، "المتخلف".. الذي يقبع خلف
القضبان.. وعبر غسيل الأدمغة لهؤلاء الطلبة وتضليلهم والماكنة الإعلامية الصهيونية
المبرمجة، والتنشئة المؤسَسة على كره ما هو فلسطيني وعربي، يتحول الأسير الفلسطيني
/ العربي
إلى رقم في اختبار طالب إسرائيلي.. ياهٍ، كل ذلك.. كل ذلك.. وننام ملء
عيوننا
عن توحش النقيض.
وفي سياق
إِنسانية العدو
وآخر
ديمقراطية له ما حدث مع
الطالب
أنس شحادة طالب الهندسة الإلكترونية في جامعة بيرزيت المعتقل في سجن النقب
الصحراوي، الذي أجروا له عملية جراحية للزائدة الدودية في مشفى (سيروكا).. حيث شقوا
بطنه دون
تخدير وأمام ناظريه مردداً (الطبيب الإنساني؟!) بين الحين والآخر بالعبرية
"مخرب"،
ولم تشفع لأنس دعوات الممرضات للطبيب بأن يرحم المريض الذي أغمي عليه،
وقاموا
بإيقاظه وبين الصحوة والحلم يشم أنس رائحة لحم يحترق فإذا بالطبيب (الإنساني
جداً) لم
يستخدم الإبرة والخيط ولكنه لحام النار.. فأية بربرية وغولية هذه.. وأيُ
سادية
ومشارط حقدهم تعفر بياض دمنا.. وتنعفه راجفاً؟ وأين نحن من كل ذلك؟
أما عن
اغتصاب
الأطفال وترويعهم بهدف إسقاطهم وتحطيم نفسياتهم فحدث ولا حرج.. وكل ذلك
يندرج
تحت حجة الأمن الاحتلالي! فما يهدفون إليه هو أن كل من يخرج من المعتقل يجب
أن تعطب
روحه، ويتعفن جسده، ولا بد من كسر إرادة المعتقل بشتى الأساليب : الأغنية
التي
تختارها إدارة السجن وفق رؤية نفسية تفعل فعلها بالتراكم، نوع السجائر الذي
كانت
توزعه إدارة السجون على الأسرى : "أُسكت".. الترغيب والترهيب، وسياسة العصا
والجزرة،
ودائماً العصا أمام الجزرة وخلفها.. وليس عبثاً أن يصر العدو على اعتبار
المعتقلين في سجونه سجناء أمنيين وليسوا سياسيين، فلو اعتبرهم سياسيين لاعترف
بحقوقهم
وشرعيتهم، فهم متهمون بِـ"الإرهاب" و"العنف"، وهم - حسب رؤية النقيض
- يهددون
أمنه ويقضون مضاجعه، ومن هنا يسعى العدو بأدواته التضليلية إلى تقديم صورة
مشوهة
تماماً للصليب الأحمر الدولي وهيئات حقوق الإنسان (إِن وجدت). عما يدور في
أقبية
القتل، أقبية الرطوبة والعفوية والحشرات والأمراض التي تقتات على أجساد
أَبنائنا
وأحبَتنا خلف القضبان..
*
وهناك في
معازل العدو، وبعيداً عن الأعين
يطوي
أسرى الدوريات العرب أيامهم.. وينزفون جراحهم بصمت ومرارة.. يمعنون إرادة
وتحدياً
ويمعن العدو فيهم سلخاً وموتاً لتحويلهم إلى أشباح من عالم مختلف وزمن
آخر..
فكم من أسير أُفرج عنه في كيس أسود.. أم أن هؤلاء لا بواكي لهم!! وعلام ننتظر
ومعنا
أُمتنا التي وضعت على قائمة المأكولات متناسين :"إذا كنت مأكولاً فكُنْ خير
آكلٍ"!
*
ولن ننسى
أخواتنا الصابرات في سجن الرملة اللواتي يتعرضن لشتى
تصانيف
الإهانة والإذلال والتركيع، فمن الترهيب إلى العزل إلى التحرش الجنسي
ومحاولات
الاغتصاب.. كل ذلك ولم يرمش لنا جفن، ولم تثر لنا ثائرة.. وكأن الأمر لا
يعنينا..
وعليه، فإن على عاتق المؤسسة الرسمية الثقافية والإعلامية وكافة المؤسسات
والمراكز
ذات الشأن، وكل غيور على ترابنا الحر، مسؤولية فضح ممارسات العدو ضد
العُزَل
في باستيلات القهر والنسيان.. النسيان الذي يحفر لحم وعظام وردنا الطفل
وزيتوننا
الشيخ..
*
أما
الذين يقضون الأحكام المؤبدة فخري ونائل البرغوثي
والقائمة
تطول.. فالسجن بيتهم وأسرتهم، والظلمة أمسهم وغدهم.. يصادقون الدوري
اللاهي
بين الأسلاك الشائكة، وما ضل من الطير ليحط على زهرة عمرهم الذواية.. كيف لا
وقد وقع
شيخهم أبو السكر في حب الشجرة في سجن عسقلان.. إنهم المنسيون يربون أحلامهم
ويزرعون
الأمل في أحواض القلوب.. ويصرون على المواجهة والذهاب نحو فلسطين مغسولة من
سخام
العدو.. إنهم المنسيون : الضحايا الذين يحاكمون الجلاد.. والورد الذي يكسر
السيف..
والندى الذي عصف بالجمر.. والقيد اللاهب ثباتاً وشموخاً وعنفواناً في زمن
الردة
والسقوط العربي.. إِنهم المنسيون الشوامخ الذين رأوا فلذات أكبادهم من وراء
الأسلاك
الاحتلالية تنمو كزعترنا الجبليِ.. فيذرفون نرجس العيون لوعة ويلوبون
عمراً..
*
"الأسرى"،
بأل تعريف كبيرة بحجم قاماتهم التي تعانق أرض السماء..
حيث يدل
الاسم على المسمى وتذهب اللغة لتحرس رقصاتهم الذبيحة وأعضاءهم التتداعى
كلما
كوتهم سياط النار، وألهبت أجسادهم هزات الهلع الصهيوني ولفحتهم حمأة الخيام
والأقبية.. إِنهم الأسرى وهذه الكلمات منهم ولهم ومعهم. ترصد الوجع وتقرع أجراس
الأرض ضد
العدو الذي تخلق بخلائق الضباع وزحف كالجراد على اليانع والأخضر فينا
وأوغل في
كل شيء خسفاً وقصفاً وقتلاً.. الأسرى، إذن يعلنون الآن معركة الأمعاء
الخاوية.. لتنتصب قصباتهم النحيلة في وجه مدرعات الغزاة والرشاشات الثقيلة والأسلاك
المكهربة
الشائكة الشاهدة على عقدهم التوراتية.
*
الأسرى
بوابة الحل ولا حل
إلا بهم
ومعهم..
وأل التعريف في
كلمة "الأسرى" هي "أل" عهدية، على رأي شيوخنا
النحويين، فهذه الـ"أل" لا تليق إلا بهؤلاء الأشاوس ولا نعهدها إلا فيمن ظلوا على
العهد
والقسم.. وإنهم لأحرار إلى يوم يبعثون. أما عن هذا المروان العنيد وأصحابه
الميامين
فهذا هو الجواب
:
سيرنُ
قيدك عالياً
ويكونُ
برقُ يديكَ
وهاجاً..
ومهتاجاً
هديركَ في براري الصمت
ستطيرُ
أغنيةَ الصغارِ
إلى
أعالي
حزنِكَ الحربيْ
ستحوم
الدمعاتُ راجفةً على شوكِ السياجْ
أعد لنا
رجفَ
الأغاني
العاصفاتِ
على حفاف
ِ النار..
أعِد
الكلامَ إلى بدايته
فصوتُكَ
صليةُ
الغضب السماوي المرجى...
إني أرى
الشُهداء
وأرى بلاداً
تشترى وتُباع..
مثلَ
حِليةِ صائغٍ رواغْ
وأرى
رِجالاً
يُعرضونَ على مزادِ السبتْ..
وأرى
بلاداً تشتهي فرحَ
البلادْ..
وأراكَ
تهجسُ بالنشيدِ الفذ..
يترجلُ
العِنادْ..
صحيفة الحياة
الجديدة الفلسطينية
28
حزيران
2009
______________
* مراد السوداني،
شاعر فلسطيني وناشط سياسي ورئيس بيت الشعر الفلسطيني ومحرر مجلتي الشعراء وأقواس.