:: التغطية الاعلامية ::
رسالة إلى مروان
البرغوثي
بقلم: الياس
خوري-لبنان
من الصعب ان
يكتب حر الي سجين طالبا معونته، لكن المسألة ليست بهذه
البساطة،
او لنقل انها نسبية. اذ ليس من المؤكد اننا احرار، لأن من فقد ارادته
وقراره
ليس حرا. لنقل مجازا انها رسالة من سجين الي سجين، وهنا يقع الالتباس.
استطيع
ان اتفهم ان يقول هذا مواطن يعيش الحصار في الضفة الغربية وغزة، اما ان يأتي
من رجل
يعيش في بيروت، وخصوصا بعد عملية التبادل التي تحولت عرسا لبنانيا، فمسألة
تثير
الاستغراب. لكنني اقولها كي لا يبقي ماء في فمي، يمنعني من التعبير، كما كانت
تقول
العرب. والماء يا اخي كثير ويبعث علي الأسي. وهذا ليس حالي وحدي، بل حال جيل
كامل من
اللبنانيين والفلسطينيين، آمن بالشعب المضيّع والمكبل ، وذهب الي معسكرات
التدريب
ومات منه من مات، وبقي من بقي. لا ادري كيف حالكم مع الماء هناك، لكننا هنا
نحاول ان
نحكي فيهرب الكلام، يكفي ان تستعاد صورة دلال المغربي ورفاقها، كي نشعر
بالأسي.
بدل ان نعيد دلال الي مقبرة في وطنها تليق ببطولتها، اذا بنا ننتظر نتائج
الفحوص
المخبرية، ولا ندري ماذا نقول للشهيدة ولرفاقها، ولا بأي وجه
نستقبلهم.
الماء
يغلق الافواه يا صاحبي، ولا ندري كيف نبدأ في استجماع
الذاكرة.
فجأة صارت الذاكرة شلالا من الألم. نحن الذين بنينا ثقافة الذاكرة نشعر
بالخجل
من شلالها الذي يهدر في رؤوسنا، ونتمني لو كان في استطاعتنا ان ننسي. لكن
النسيان
يجافينا، والألم ينتشر في عيوننا.
والله
لولا دلال وذاكرة الموتي
لما
استطعنا ان نبصق هذا الماء الذي يتعفن في افواهنا،كي نقول الحقيقة مهما كانت
مرة.
اخترت
مخاطبتك انت بالذات، كي لا الجأ الي السهولة. الفكرة الأولي التي
خطرت في
بالي هي ان اكتب رسالة الي القائد الشهيد ابو جهاد الوزير. لكنني عدلت، لا
لأنني لا
اريد ازعاج الشهداء، بل لأنني تعبت من الحنين الي الماضي. لقد احترفنا هذا
الحنين
ونحن نري الثورة الفلسطينية تتهاوي في اوهام السلطة وفي خدعة السلام. كان
الحنين
ملجأ أعمي ابصارنا عن مشاهدة الحقيقة، واكتشاف المنحدر الذي وصلنا اليه،
والذي
قاد، بعد غياب ياسر عرفات، الي انهيار الانتفاضة الثانية وهزيمتها. اليوم
وانا اري
النعوش، اكتشف ان الحنين لا مكان له. فأنت تحن الي ماض بعيد، اما ان تحن
الي حاضر
لا يزال ماثلا امام العيون، فهذا يعني انك لا تريد ان تري. لقد تعبنا من
العتمة
يا اخي، وآن لنا ان نفتح عيوننا.
الحقيقة
مرة، لكن يجب ان تقال،
والهدف
ليس جلد الذات والوقوف علي الاطلال، بل ازالة الغشاوة عن العيون كي نري
الطريق.
لذا لن
اتوقف عند الماضي، وعند اخطاء السلطة، التي نعرفها جميعا، بل
اريد ان
اتحدث عن ضرورة التغيير الجذري، الذي بات حاجة ملحة، قبل ان تضيع سنوات
النضال
بين متاهتين:
متاهة اليائسين
الذين فقدوا البوصلة، وقبعوا في وهم السلطة،
ومتاهة
المجهول الذي تبشرنا به القوي السلفية، التي لا تعترف بأن التاريخ تراكم،
وبأن
الثورات لا يمكن ان تقاد ببرنامج ايديولوجي فقط، بل عليها ان تحدد اهدافا
سياسية
واضحة.
لن اناقش
ما اسميه التيار الايديولوجي، لأنك لا تستطيع ان
تناقش من
دون موقع. لذا لن تستطيع الحركة الوطنية الدخول في مناقشة جدية قبل ان
تستعيد
موقعها علي الخريطة.
انطلقت
فتح عام 1965 بشعارات بسيطة وواضحة، كان
اهمها
واكثرها فاعلية هو شعار كل البنادق نحو العدو. قبل ان يستعاد الكلام يجب ان
تستعاد
البنادق. ربما كان الخطأ الاكبر الذي ارتكب بعد اوسلو هو دمج قوات العاصفة
بأجهزة
السلطة الامنية، وتحويل قوات الثورة الي جهاز شرطة وامن والي آخره... حتي في
ايام
بيروت، كانت القوات المقاتلة والتنظيم، ترفض منطق الاجهزة الامنية، كي تبقي
الثورة
حركة شعبية. فلماذا حصل ما حصل في الضفة وغزة، بحيث احتل الفاسدون كل
المواقع،
وصارت الثورة جهازا في خدمة السلطة؟
اعرف ان
هناك جواباً جاهزاً
احترفه
البعض، وهو ان اوسلو كان خيانة تقتضي تصفية الثورة. لكنني اعرف وانت تعرف ان
هذا كلام
تبسيطي وساذج، وانه امتداد لكلام يساروي كان مطية مخابرات اكثر من نظام
عربي.
كانوا يصفون الكوادر بشعارات وطنية مبتذلة، وكانت تهمتهم جاهزة، بينما كانت
فتح
تقاتل المحتل علي كل الجبهات، ويتعرض قادتها للتصفية علي ايدي المخابرات، ثم ان
من اراد
تصفية الثورة لا يقود الانتفاضة الثانية ويتحمل اعباءها ويدفع من الشهداء
والاسري
ما لا طاقة لاي تنظيم فلسطيني علي دفعه.
المسألة
يا اخي اسمها
الترهل
وفقدان البرنامج السياسي، وانهيار التنظيم. هذا هو الواقع، الي درجة ان
كتائب
شهداء الاقصي، تبدو اليوم مصابة بالشلل الكامل.
ما نحتاجه هو
ثورة شاملة،
اي
انتفاضة علي الذات، تكنّس الترهل والعفونة، وتستعيد زمام المبادرة علي المستويين
الشعبي
والمقاوم. مفاوضات ما بعد انابوليس فشلت، ولا مجال للانتظار. الاحتلال
الاسرائيلي لن يقدم اي تنازل الا مرغما. من هنا فان فتح ومنظمة التحرير لا تستطيعان
البقاء
في مقاعد الحفاظ علي سلطة لا سلطة لها، وهذا يبدأ بالعودة الي وثيقة الاسري،
والدفع
باتجاه وحدة وطنية، وبناء قيادة جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، تتولي
قيادة
المقاومة.
يجب علي
الأقل ان تستعاد لغة المقاومة الفلسطينية، وان يعاد
بناء كل
شيء من جديد، وهذا ممكن، شرط ان لا يبقي الماء في افواهنا، ونبدأ.
القدس العربي
24/7/2008