:: التغطية الاعلامية ::
بسم
الله الرحمن الرحيم
مشاركة المرأة في صنع القرار ضرورة وطنية
وتنموية وشرط للديمقراطية
بقلم المحامية فدوى البرغوثي

من
اللافت للنظر أنه على الرغم من الدور التاريخي الكبير الذي لعبته المرأة الفلسطينية
في حركة التحرر والنضال والثورة الفلسطينية المعاصرة والانتفاضات المتعاقبة أنه لم
يتم ترجمة ذلك في مشاركة المرأة في صنع القرار ضمن المستويات المختلفة والحقيقية.
إن هذه مفارقة عجيبة حيث أن الجميع يعترف بدور المرأة البارز في كافة أشكال النضال
في كل المراحل، فهي حملت السلاح وقاتلت منذ انطلاقة الثورة عام 1965 وانخرطت في
مختلف فصائلها وتشكيلاتها، وهناك عدد كبير من النساء البارزات في هذا الميدان، كذلك
الأمر في النشاط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتربوي الذي نشطت فيه المرأة في
الوطن العربي وفي مخيمات الشتات، وقد شكلت الانتفاضة الشعبية الأولى الكبرى عام
1987 نقطة بارزة في مشاركة النساء في الكفاح المسلح ضد الاحتلال ولا زلنا جميعا
نذكر مئات التظاهرات والاعتصامات والمواجهات التي شاركت فيها النساء بفاعلية كبيرة،
ولعبت المرأة في تلك الانتفاضة دورا حيويا في أطرافها وهيئاتها وعلى كافة
المستويات، فكانت مشاركة وبشكل فاعل في القيادة الوطنية الموحدة التي قادت تلك
الانتفاضة العظيمة، و في اللجان الضاربة و اللجان الشعبية ولجان الأحياء وفي
التعليم الشعبي و إدارة الاقتصاد المنزلي و النشاط الإعلامي وما إلى ذلك من نشاطات.
وجاءت انتفاضة الحرية والاستقلال، انتفاضة ألأقصى، لتؤكد مجددا الدور الكبير
والبارز الذي تلعبه المرأة في الكفاح الفلسطيني، فقد انخرطت ولا زالت في هذه
الانتفاضة وفي المقاومة وسقطت المئات من النساء شهيدات والآلاف من الجريحات ومئات
من المعتقلات، وشاركت المرأة بكل أشكال النضال فحملت السلاح وقاومت بكل جرأة
وشجاعة، ولعبت دورا عظيما في تعزيز وصمود الانتفاضة والحفاظ على النسيج الفلسطيني.
بالمقابل لو فحصنا موقع المرأة الفلسطينية في المؤسسات الرسمية والأحزاب والأطر وفي
مؤسسات المجتمع بشكل عام، فإننا نجد أن هناك تناقضا حادا ما بين حجم المشاركة
الواسعة والرائعة في النضال الوطني، وبين انعكاس ذلك في مؤسسات صنع القرار. فعلى
سبيل المثال تعتبر (م.ت.ف) الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقائدة نضاله على
مدار عقود من الزمن وحتى إقامة السلطة الفلسطينية على أقل تقدير، غير أنه من
الملاحظ أن مشاركة المرأة محدودة في مؤسسات المنظمة، وفي اللجنة التنفيذية ل(م.ت.ف)
وهي بمثاية حكومة الشعب الفلسطيني وأهم حلقة لصنع القرار منذ تأسيس المنظمة في
العام 1964، فلم تشارك أي امرأة في عضويتها طوال أربعة عقود وهذا وحده كافيا كي
يعكس الإجحاف التاريخي بحق المرأة، أما المؤسسة الثانية في المنظمة وهي المجلس
المركزي الذي يعد حلقة وسيطة ما بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني الفلسطيني
ويلعب دورا استشاريا في الأساس الوطني، والذي اكتسب دورا اكبر خلال السنوات الأخيرة
فيبلغ عدده 130 عضوا ولا يزيد عدد النساء فيه عن ثمانية أعضاء.
المجلس الوطني يصل عدد أعضاءه إلى 700 عضو تمثل النساء فيه ببضع عشرات فقط، وهذه
الأرقام تعطي دلالة واضحة على أن مكانة المرأة في مؤسسات (م.ت.ف) لم تعكس حضور
المرأة الحقيقي في الكفاح والنضال بل عجزت المنظمة عن منح المرأة الدور التاريخي
الذي تستحق في مؤسساتها.
وأما المؤسسة الثانية والهامة
والتي تتشكل منها (م.ت.ف) وتلعب الدور الرئيسي في حياة الشعب الفلسطيني السياسية
والحياتية فهي الأحزاب والفصائل الوطنية والإسلامية. إن حضور المرأة في مؤسسات
القرار فيها قاصرة،
و لا تختلف بالنسب عما هو الحال في مؤسسات المنظمة،
فعلى سبيل المثال فإن اللجنة المركزية لحركة فتح لم تمثل فيها المرأة إلا في العام
1989 لأول مرة في المؤتمر الخامس للحركة، وذلك بانتخاب الأخت انتصار الوزير أم جهاد
لعضويتها، وهي المرأة الوحيدة من بين 21 عضوا في اللجنة. في مؤسسة فتح الثانية
(المجلس الثوري) فأن عدد النساء الأعضاء في المجلس لا تتجاوز ستة من أصل 125 عضوا،
وفي اللجنة الحركية العليا لحركة فتح فأن نسبة تمثيل النساء أفضل بقليل من المؤسسات
السابقة ولكنها لا تختلف بشكل جذري، كذلك الأمر في لجان الأقاليم حيث ما زال تمثيل
النساء محدودا.
ليس الحال أفضل كثيرا في (فصائل اليسار) سواء في مكاتبها السياسية أم في اللجان
المركزية، وأن كانت نسبة تمثيل النساء في بعض المواقع والهيئات أفضل قليلا عما هو
الحال في حركة فتح.
أما الفصائل الإسلامية (حركتي حماس والجهاد الإسلامي) ورغم المشاركة الفاعلة للمرأة
في صفوفها من حيث النضال والكفاح والجهاد إلا أننا لم نسمع عن سيدات في مواقع
قيادية بارزة في هاتين الحركتين، سواء في المكاتب السياسية أو في مجالس الشورى،
وربما يكون هنالك نساء في هذه المواقع لم يكشف عن أسمائهن وان كان الأمر لا يبدو
كذلك.
عند إقامة السلطة الفلسطينية العام 1994 استبشرت النساء خيرا ونشطت الحركة النسوية
الفلسطينية بشكل ملحوظ من اجل تحقيق منجزات للمرأة وإشراكها في المؤسسات المختلفة،
ولا سيما ذات العلاقة بصنع القرار، وقد اعتقدت المرأة أن المشاركة الواسعة في
النضال عبر عقود من الزمن سوف تترجم عبر منح المرأة مكانة مرموقة في مؤسسات السلطة
وفي النهوض بوضعها، ولكن الوقائع جاءت مخالفة للآمال والطموحات، فلا زالت المرأة
تشكل أقل من 13% من القوة العاملة في القطاع العام، وربما الحال مشابه في القطاع
الخاص. أما تمثيلها في الحكومة والمجلس التشريعي فقد جاء محدودا وباهتا ولا يعكس
حجم العطاء والتضحيات التي قدمتها ولا تزال: فمنذ تشكيل الحكومة شارك فيها 53 وزيرا
من بينهم ثلاث نساء تولين مناصب وزارية وتقلدن مناصب تقليدية في المجلس التشريعي،
وبذلك فأن تمثيل المرأة لا يختلف هنا عن تمثيلها في مؤسسات منظمة التحرير
الفلسطينية والفصائل، بحيث لا تتعدى نسبة تمثيلهن 5%.
إن
مشاركة النساء في صنع القرار ضرورة وطنية وتنموية من الدرجة الأولى، وهي ليست موضوع
ترف، ولم نر في التجربة الإنسانية نموا حقيقيا لأي دولة أو مجتمع دون مشاركة فاعلة
للمرأة في كافة المجالات والأنشطة، ويتوجب عدم إهمال دورها في عملية الإنتاج وفي
العملية الاقتصادية بأشكالها المختلفة وفي العمل الاجتماعي والتربوي وما إلى ذلك من
أمور أخرى.
المرأة في مجتمعنا عملت عبر تاريخ النضال الفلسطيني ودفعت ثمنا باهظا ولا زالت، فهي
الأم والأخت والبنت والزوجة والمقاتلة، وان أعطاء المرأة دورها وحقها واتخاذ
إستراتيجية وطنية تكفل لها تمثيلها في مؤسسات صنع القرار وفي مختلف القطاعات
والهيئات والمؤسسات الرسمية والنقابية والوظيفية أحد الشروط لنمو وتطور مجتمعنا،
على أن لا يقل نسبة تمثيلهن عن 30% كحد أدنى.
ويتوجب أن يقف الجميع دون تردد إلى جانب المرأة ودعمها ومساندة مشاركتها في هيئات
صنع القرار، ويعد ذلك شرط أساسي لوجود نظام سياسي ديمقراطي فلسطيني، كذلك شرط لبناء
دولة المستقبل القوية والمتينة والعصرية والديمقراطية. لقد بات مطلوبا من كافة
المؤسسات والمنظمات والهيئات والأطر والشخصيات والاتحادات والجمعيات النسائية إلى
جانب وزارة شؤون المرأة منهجة العمل بشكل موجه وفي إطار إستراتيجية واحدة لضمان
اعلى درجة من مشاركة المرأة في مؤسسات صنع القرار المختلفة.
30/10/2004