:: التغطية الاعلامية ::
بسم الله الرحمن الرحيم
إعادة إعمار البيوت المدمرة أولوية
وطنية من الدرجة الأولى
بقلم
المحامية فدوى البرغوثي

منذ نشأتها عملت دولة إسرائيل
العنصرية الاستعمارية على اتباع سياسة التدمير والإبادة الجماعية، فأقيمت "دولة
إسرائيل"على أنقاض مدن وقرى الفلسطينيين بعد أن شردتهم العصابات الصهيونية من أرضهم
وعمدت الحكومة الإسرائيلية إلى تدمير كامل لأكثر من (418) قرية فلسطينية في محاولة
لإخفاء جريمة اغتصاب وطن وتاريخ ومقدسات، و بعد الاحتلال عام 1967 اتخذت إسرائيل من
سياسة التدمير و هدم المنازل و البيوت أحد ركائزها في إطار استراتيجية استكمال
احتلال كامل فلسطين و طرد أهلها، ففي العام 1967 قامت بتدمير عشرات القرى و
المخيمات و تهجير أهلها مرة أخرى، و لعل ابرز مثال على ذلك ما جرى لقرى اللطرون،
عمواس، بيت نوبا، يالو.... واتخذت حكومة الاحتلال من سياسة هدم البيوت و حظر البناء
على نطاق واسع وسيلة للانتقام و العقاب الجماعي، وقد استندت في ذلك إلى قانون
الطوارئ و الأوامر العسكرية الصادرة عن الحكم العسكري.
في إطار هذه السياسة فقد تم استهداف
منازل المناضلين الفلسطينيين الذين شاركوا في مقاومة الاحتلال وتنظيم عمليات عسكرية
ضد الإسرائيليين، حيث كان يتم هدم البيوت مباشرة بسبب ضلوع أحد أفراد العائلة في
عمل ميداني، وقد ازدادت هذه السياسة توسعاًو شراسةً مع مرور السنين وشهدت تصعيداً
لا سابق له في انتفاضة الأقصى، فما جرى في مخيم جنين ومدن رفح ونابلس وخانيونس
ومخيماتها أعاد إلى الأذهان ما جرى في النكبة وماجرى في قرى اللطرون وغيرها بعد
العام 1967، و لعل مثال جنين لازال في أذهان الجميع والعالم باسره وكذلك المشهد
اليومي الدامي في قطاع غزة حيث تم هدم آلاف المنازل خاصة في رفح حيث هدم حتى ألآن
ما يزيد عن 3000 منزل طبقاً لإحصائيات وكالة الغوث الدولية و مئات المنازل في
خانيونس وجباليا وبيت حانون و دير البلح و كذلك الهدم الذي شهدته مدينة نابلس و بعض
مخيماتها، كذلك الهدم اليومي المستمر منذ سنوات لبيوت الفلسطينيين في محافظة القدس
بحجة عدم الترخيص وغيرها من الحجج التي تبرر بها حكومة الاحتلال سياسة تهويد
المدينة المقدسة.
منذ السنوات الأولى للاحتلال قامت
الجمعيات و المؤسسات الوطنية و الأهالي بجمع التبرعات لإعادة إعمار البيوت المدمرة
و تعويض الأهالي ما أمكن عن هذه المأساة، وفي هذه الانتفاضة حيث التدمير الواسع
الجماعي و الفردي كان حجم الدمار يحتاج إلى إمكانيات كبيرة سيما في حالة الدمار
الجماعي، و قد أحسنت صنعاً دولة الإمارات العربية عندما تكفلت بإعادة بناء المنازل
المدمرة في مخيم جنين والتي وصل عددها إلى ما يزيد عن 800 منزل د مرت بالكامل.
وكذلك تم الأمر على نطاق محدود في بعض المناطق في قطاع غزة و أن الأهل يأملون في أن
يتم التبرع عربياَ لاستكمال البناء في كافة المحافظات و لاسيما في قطاع غزة ونابلس
و المناطق التي تعرضت لتدمير جماعي مما لذلك من أثر إيجابي بالغ على نفوس أصحاب
البيوت وعلى استمرار صمود الشعب الفلسطيني بشكل عام.
أما الشق الثاني من المشكلة، و الذي
لم يجد حلا حتى الآن، يتعلق بالبيوت التي يدمرها الاحتلال بشكل فردي وتعود ملكيتها
لنشطاء المقاومة و عائلاتهم من أسرى و شهداء وجرحى، وهي قضية حساسة وبالغة الأهمية،
فهذه ألأسر قدمت تضحيات جسيمة في الأرواح، ولنا أن نتخيل كيف يكون حال الأسر التي
فقدت شهيدا و هدم منزلها وتعيش في العراء !!!.
إن هذه الحالات إلى جانب حالات الأسرى
الذين هدمت بيوتهم تستدعي خطة وطنية عاجلة من أجل إعادة إعمار هذه البيوت وتعويض
الأسر بأسرع وقت ممكن، فذلك أقل ما نقدمه لأسر قدمت لهذا الوطن أكثر بكثير من بيوت
هدمت، وذلك إما من خلال اقتطاع أو تخصيص بند في موازنة السلطة بالدفع وعلى شكل
دفعات لأصحاب هذه البيوت لإعادة بنائها أو بتوفير مصدر دعم عربي لهذا الأمر حيث أن
هنالك المئات وربما الآلاف من الأسرى لحقتهم أحكام بالسجن المؤبد، وبعضهم معيلو
أسرهم وتم هدم بيوتهم و إلقاء أسرهم في العراء، ولم يتم تعويضهم أو بناء منازلهم من
جديد، ربما تقدم بعض المساعدات لهذه الأسر من جهات رسمية و أهلية فلسطينية و لكنها
محدودة وغير كافية .
إن هذا الوضع يزيد من معاناة
الأسير الذي يصبح همه مضاعفا، فمن جهة العذاب و المعاناة داخل السجن و من جهة أخرى
معاناته بسبب هدم منزله وما يلحق من ذلك من معاناة للأهل، وحبذا لو عملنا لإيجاد
جهة عربية تتكفل بإعادة بناء هذه البيوت ولو بشكل تدريجي، وصحيح أن بعض الأشقاء مثل
الإمارات و السعودية قد وجهت دعما لإعادة بناء مناطق تعرضت للدمار بشكل واسع ولكن
هذا لم يشمل المئات من أسر الشهداء والأسرى الذين دمرت منازلهم بشكل فردي. بل إن
بعض هذه البيوت دمر أكثر من مرة ومنع الأهل من إعادة البناء في نفس المكان وهنالك
عشرات بل مئات الأمثلة على ذلك، منها ما
جرى مع عائلة المواطن يوسف المغربي الذي يسكن مخيم
الدهيشة وهو احد جرحى الانتفاضة، كما أن الأسرة فقدت أحد أبنائها (محمود المغربي)
شهيدا ً في انتفاضة الأقصى، وتم اعتقال ابنائه الثلاث أحمد و عمر وعلي و من المتوقع
صدور أحكام عالية جداً بالسجن المؤبد لاثنين منهم، وقد قامت قوات الاحتلال بهدم
المنزل في العام 2002 في المرة الأولى و بعد أن تم تشييده من جديد قامت سلطات
الاحتلال بهدمه مرة أخرى قبل حوالي 6 أشهر، و أصبحت هذه الأسرة تعيش في غرفة واحدة
لا تصلح للحياة الإنسانية و حتى الآن لم يتم دفع تعويض لهذه العائلة أو بناء بيت
لهم ولنا أن نتصور كيف تكون الحالة النفسية و المعنوية لأسرة من هذا النوع فقدت
شهيداً و لها ثلاثة أسرى و أبا جريحا. كذلك الحال مع عائلة ناصر أبو حميد من مخيم
الأمعري حيث أن ستة من أفرادها يقبعون في السجون الإسرائيلية و حكم خمسة منهم
بالسجن المؤبد، و احد أبناء العائلة شهيد، و تم هدم بيتهم للمرة الثالثة، هذا البيت
الذي استغرق بناؤه أكثر من عشر سنوات بدخل من جميع أفراد الأسرة.
إن منزل المواطن هو بمثابة وطن صغير
يحمل الذكريات بكل ما فيها، و تدميره يترك أثر بالغ التأثير في نفس الإنسان و إعادة
بناؤه من جديد هي محاولة للمحافظة على الذاكرة التي تجمع المكان بالإنسان رغم أن
حرية المنزل تبفى محدودة في ظل انعدام حرية الوطن.
و على الرغم من الأعباء الهائلة على
المؤسسات الشعبية والرسمية وعلى القوى و الفصائل في ظل الحصار و العدوان إلا إنه
يبقى من مسؤولية الجميع التضامن وتضافر الجهود لإعمار هذه المنازل واعتبار ذلك
أولوية وطنية من الدرجة الأولى وتوفير كل الإمكانيات لانهاء معاناة هذه الاسر
المنكوبة.