قسام البرغوثي   من الصحافةالمحلية والعربية والدولية والعبرية 

:: التغطية الاعلامية ::

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإرادة السياسية وسيادة القانون

 

بقلم المحامية فدوى البرغوثي

 

تعتبر سيادة القانون إحدى ركائز وشروط النظام السياسي الفلسطيني، ويكتسب الجدل والحديث حول سيادة القانون أهمية خاصة في ظل غياب غير مسبوق للجهاز القضائي وللقانون وللأجهزة التنفيذية.

 و تجدر الإشارة إلى أن بلادنا عرفت قبل إقامة السلطة الوطنية غيابا للجهاز القضائي إلى حد كبير، ولكن تم الاستعاضة عن ذلك أبان سنوات الانتفاضة الشعبية الأولى  بتطبيق مفهوم "سيادة القانون الوطني" الذي نظم حياة الشعب الفلسطيني بشكل أثار أعجاب الأصدقاء ودهشة الأعداء، خلال سنوات الانتفاضة الأولى لم يكن هنالك جهاز للقضاء ولا سلطة وطنية ولا أجهزة أمن تابعة لها، ومع ذلك فقد سادت حالة من الاطمئنان والاستقرار الداخلي وغابت كل مظاهر التسيّب والسرقات وأعمال الإخلال بالأمن الداخلي، بل وسجلت تلك الفترة أدنى مستوى للجرائم بأنواعها المختلفة في فلسطين وسجلت أعلى درجة من التضامن والتكافل والشراكة.

أما اليوم وفي ظل عشرات الآلاف من منتسبي الأجهزة الأمنية وفي ظل سلطة وطنية يزيد عدد موظفيها عن (150) ألفا من مدنيين وعسكريين فان حالة الفوضى لم تعد تحتمل. فمنذ عامين تقريبا تسود حالة من الفلتان الأمني والفوضى وأعمال الجريمة غير المسبوقة، وفي ألأشهر الأخيرة أصبحت تلك المظاهر حالة يلمسها المواطن بشكل شبه يومي، وبطبيعة الحال -ودون أدنى شك- فإن الاحتلال هو المسئول الأول عن هذه الحالة وعن تغذيتها واستمرارها، ولكن الاحتلال أيضا كان موجودا خلال الانتفاضة الشعبية الأولى وحاول إشاعة حالة من الفوضى التي تمس المواطن الفلسطيني ولكن دون جدوى رغم عدم وجود سلطة وطنية وأجهزة أمنية فلسطينية، فحالة الانضباط الوطني والتضامن والتكافل كانت سداً منيعاً في مواجهة دسائس الاحتلال وألاعيبه.  لقد حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه الفوضى التي لا يستفيد منها سوى أعداء الشعب الفلسطيني، ولم تعد المبررات مقبولة مهما كانت. 

 إن الخطوة الأولى لبناء نظام سياسي ديمقراطي يسوده القانون هو توفر الإرادة السياسية بإعمال وتفعيل واحترام سيادة القانون، وإن بداية وضع حلّ جذري لهذه الحالة من الفوضى وانعدام القانون  يتم بالدرجة الأولى من خلال قرار الرئيس والحكومة بمنح الاستقلالية التامة للجهاز القضائي وحمايته وتوفير كل ما يلزم لهذا الجهاز من بنية تحتية ومن قضاة بالعدد الكافي وما يلزم من الموظفين العاملين إضافة إلى توفير المباني والمقرات والمكاتب اللازمة وكذلك توفير الحياة الكريمة للعاملين في هذا الجهاز بما يليق بهم ويمنحهم أعلى درجات الأفضلية في الرواتب. ولا شك أن الجهاز القضائي يحتاج إلى إصلاح وتنقية وربما إعادة النظر بتعزيزه بقضاة تتوفر فيهم الكفاءة العالية والنزاهة التامة إضافة إلى الشجاعة وعدم القبول بأية ضغوطات أو تدخلات. وفي هذا الإطار تأتي أهمية توفير كل سبل الحماية للمحامين ليمارسوا دورهم في ظل مناخ من الأمن والاستقرار والحرية الكاملة، وبعيداً عن التهديد والاعتداء.

الخطوة التالية لتحقيق سيادة القانون تكمن في احترام الأجهزة التنفيذية والشرطة وغيرها من الأجهزة الأمنية لقرارات السلطة القضائية والمحاكم المتنوعة بكافة مستوياتها المختلفة. وان التكامل والتعاون بين الجهاز القضائي والأجهزة التنفيذية في ظل إرادة سياسية تمنح كامل الدعم والمساندة لاحترام سيادة القانون  يمكن أن يشكل بمجموعها بوادر لسيادة القانون في دولتنا العتيدة القادمة.

إن النوايا الطيبة والعادلة لدى الرئيس أبو مازن وحكومته في دعم ومساندة القضاء موجودة، ولكن النوايا وحدها غير كافية، لان المطلوب أن يشعر كل مواطن وكل عامل في الجهاز القضائي أن الرئيس يقف من وراءه بكل قوة ودون تردد أو تمييز، وعندما يصبح القضاء العنوان الوحيد لحل كل المشاكل والخلافات والقضاء بين أفراد المجتمع، وعندما يشعر المواطن بان شكواه تعالج وتحترم دون أي تأثير غير نزيه من احد، وان الحكم الصادر ينفذ فورا وفي مدته القانونية ....وعندما يشعر منتسبي الأجهزة الأمنية والشرطة أن تنفيذ الحكم القضائي لا يحتمل أية مماطلة أو تهرب أو تأجيل أو تبرير وان من يخالفه يلقى العقاب... وعندما يحاكم موظفو الدولة وبالذات من يرتكب أخطاء وجرائم من أفراد الأجهزة الأمنية دون محاباة أو تستر عن ذلك ...آنذاك نقول أن بلادنا تحتكم لسيادة القانون.

ومرة أخرى فان الحديث على لسان الصغير والكبير عن سيادة القانون لا يكفي أن لم يتحول إلى ثقافة وتربية وانتماء لكل فرد في المجتمع، وحتى يتحقق ذلك فلا بد أن يعطي القادة السياسيون والمسئولون وأهل القضاء المثل والقدوة والنموذج في السلوك والانضباط والاحترام، وأملنا أن الانتخابات التشريعية القادمة خطوة كبيرة وهامة على طريق بناء سيادة القانون وان يكون المجلس التشريعي القادم أكثر قدرة وقوة وحيوية وان يشكل دعامة قوية للسلطة القضائية وللجهاز القضائي، وأن يكون سنداً حقيقياً لسيادة القانون من خلال منظومة واسعة وكبيرة وشاملة من القوانين التي تحتاجها بلادنا ويحتاجها الجهاز القضائي .

إن سيادة القانون تعني الأمن والاستقرار والطمأنينة والعدل وتعني محاربة الفوضى والفلتان الأمني والذي يلحق ضرراً بالغاً بنضال شعبنا من اجل الحرية والاستقلال، وعلى كل من يتجاوز القانون أن يدرك انه يؤخر ساعة الحرية والاستقلال والانعتاق من نير الاحتلال الظالم ولهذا فان على الجميع أن يعمل وبشكل جاد ومسئول من اجل إرساء سيادة القانون، ومن اجل أن يكون القانون هو الفيصل والحكم بين الناس حتى يسود العدل وتقام الدولة الديمقراطية التي ضحى ولا زال من أجلها أبناء هذا الشعب العظيم.

 

19/7/2005

 

من نحن اتصل بنا مقالات وبيانات نشاطات الحملة دفتر الزوار  مواقع مهمة
صوت الأحرارملف القدس ملف الاستيطان ملف الجدار أغاني وطنية وثائق ملف اللاجئين