قسام البرغوثي   من الصحافةالمحلية والعربية والدولية والعبرية 

:: التغطية الاعلامية ::

 

 

مجلة صباح الخير المصرية

13/7/2004

 أجرى المقابلة : سهام ذهني

حوار صباح الخير

 

  

فدوى البرغوثي: مستحيل أن تنكسر إرادة زوجي وأبني

 

 

 

لقد مر حوالي نصف العام على اعتقال اسرائيل ل"القسام" أبن مروان البرغوثي دون أن يغير هذا من موقف مروان في المحكمة مصراً على تحويلها الى محاكمة للأحتلال. أما زوجته "فدوى البرغوثي" فقد حرصت خلال الفترة السابقة على عدم التحدث عن تفاصيل اعتقال ابنهما باعتبار انه واحد من ثمانية آلاف معتقل فلسطيني، وان أبن مروان تعرض لما يتعرض له كل ابناء الشعب الفلسطيني، هذا ما قالته لي فدوى البرغوثي عندما التقيت بها في القاهرة منذ أيام. لكنها اقتنعت اثناء حديثنا معاً برأيي حول ضرورة ان تروي حكاية أعتقال ابنهما " القسام" ليس لتميزه عن غيره، وأنما لكي نجسد من خلاله صورة من صور النضال الفلسطيني والإصرار على عدم الانكسار.

 

في عيد الميلاد

 رسم صورة ما جرى يقتضي أن نبدأ الحكاية من ليلة القبض على القسام في 24 ديسمبر الماضي، وبينما أشجار أعياد الميلاد تزين الدنيا وتزين وطن المسيح، أراد القسام أن يفاجيء أسرته صباحا في "رام الله" بعودته من "القاهرة" التي يدرس الاقتصاد بالجامعة الامريكية فيها، وأن يصل فيشاركهم الاحتفالات كعادة المسلمين في الابتهاج بميلاد المسلمين في الدنيا كلها، وبالذات في مهده على ارض فلسطين، ومما زاد من حرص " القسام" على العودة الى ارض الوطن في ذلك الصباح هو ان يحضر مع والدته مناقشة رسالتها للماجستير بجامعة القدس، فهو يعلم ان موعد المناقشة هو صباح 24 ديسمبر، ولقد كان موعد آخر امتحان له من امتحانات نصف العام هو اليوم نفسه الذي سافر فيه حيث وضع حقيبة ملابسه بجانبه وهو يؤدي الامتحان ليخرج بعد الانتهاء منه مباشرة متوجهاً الى مطار القاهرة طائراً الى "عمان" حيث منها عبر الجسر الى فلسطين باعتبار ان هذا هو المدخل الحالي الى الضفة الغربية.

ولقد كانت مناقشة رسالة الماجستير في الساعة الثانية عشرة ظهراً بجامعة القدس، ولأن الفلسطينيين غير مسموح لهم بدخول مدينة القدس، لذلك فقد تمت المناقشة في فرع الجامعة بـ" أبو ديس" المجاورة للقدس.

عبر الهاتف المحمول في الساعة الثانية والنصف بينما "فدوى"  على باب الجامعة بعد انتهاء المناقشة وجدت اتصال من أم أحد أصدقاء " القسام" الذين كانوا معه عند العودة الى الوطن، وقالت الأم لها ان قوات الاحتلال قد عطلوا قسام على الحدود، واعطتها رقم الهاتف المحمول لهذا الصديق كي تتابع معه تطورات الامور.

استمر تواصل فدوى البرغوثي مع اصدقاء ابنها الذين ظلوا ينتظرون إنهاء سلطات الاحتلال لأجراءات دخوله الى ان صارت الساعة الخامسة والنصف، فقامت بتبليغ الارتباط الفلسطيني على المعابر باعتبارهم يستيطعون ان يعرفوا بما يحدث، فاذا بهم يبلغونها ان سلطات الاحتلال قد قامت باعتقال "القسام" رسمياً وانهم قد نقلوه بسيارة الى مكان لم يكن احد يعلمه من البداية، فاتصلت "فدوى" بـ " جواد بولس" محامي مروان البرغوثي الذي استطاع أن يعرف في الساعة الثامنة مساء أن القسام قد تم احتجازه في قسم "بنيامين" بمعسكر عوفر، وهو القسم الذي يتم وضع المعتقلين الجدد فيه.

 

إخفاء الدموع

 ومنذ تلك اللحظة التي تأكد فيها أعتقال القسام، وحتى صباح اليوم التالي وجدت فدوى نفسها في حالة انعدام وزن، كل ما حرصت عليه هو ألا تصاب بانهيار امام بقية أولادها ولا أمام الناس......

تحججت بأنها ستخرج بحثاً عمن يمكنه مساعدتها في الوصول لحل، بينما كان كل ما فعلته هو أن خرجت بالسيارة تطوف بها على غير هدى عبر شوارع رام الله الصغيرة المحاصرة من الجهات الأربع، كلما سارت بالسيارة وجدت نفسها قرب أحد الحواجز عند أحدى تلك الجهات فتعود من حيث أتت دون ان تدري لماذا تسير ولا اين الى ان تشعر بعدم القدرة على مواصلة قيادة السيارة فتتوقف في احد الجوانب، وتنفجر في بكاء متواصل، بعده تواصل السير بالسيارة على غير هدى متوجهة الى اتجاه آخر الى ان عادت الى البيت في وقت متأخر، ثم نامت قليلاً.

وفي السابعة صباحاً اتصلت بجواد بولس المحامي الذي أكد لها على مكان إيداع القسام فذهبت بصفتها محامية، لكن لأنها وصلت مسرعة في الثامنة صباحاً فان الملف الخاص به لم يكن قد تم اعداده بعد، لذلك فقد ظلت واقفة في الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً أمام باب المعسكر دون ان يسمحوا لها بالدخول، ثم جاء احد المحامين من مكتب المحامي جواد بولس فسمحوا له ان يدخل، وعندما رأى القسام وأبلغه رسالة والدته اليه بأنها موجودة في الخارج وان معنوياتها ممتازة وأنها تثق فيه وانه بطل، وأن الأمور واضحة حول ان اعتقاله هو بهدف الكيد في أبيه.

وبعد دخول المحامي إليه تم نقل "القسام" للتحقيق معه حيث استمر التحقيق لمدة اربع ساعات، وعندما وجدوا عنده رفض لاتهاماتهم الموجهة اليه قالوا له: نحن لا نريد إجابات منك لأن لائحة الاتهام ضدك جاهزة عندنا حيث يوجد اعتراف عليك، وبالتالي سيتم نقلك الى السجن بدون ان نتعب أنفسنا معك.

ولقد كانت التهم الموجهة أليه تستند إلى شاهد واحد من مدينة "نابلس" وهو شاهد لم يره "القسام" طوال حياته، ولقد ذكر المحققون إن هذا الشاهد قال انه في 31/3/2003 في التاسعة مساء قد وجد مجموعة من الشباب داخل مدينة رام الله يلقون بالحجارة والزجاجات الحارقة والقنابل اليدوية على السيارات الجيب الإسرائيلية، وأن ابن مروان البرغوثي كان من بين هؤلاء الشباب. ورفض القسام التوقيع على ما تم في جلسة التحقيق. في اليوم تمكنت فدوى من رؤية أبنها "القسام" وما دار بينها وبينه هو أنها قالت له أنه مستهدف من الإسرائيليين كيدا في والده وأنهم قد يستخدمون معه أساليب معينة يستخدمونها مع الجميع، لكن لا بد أن يكون واعيا فقال لها: اطمئني أنا على وعي بكل ما يمكن أن يحدث، ومهما حدث فإنني سوف أكون على قدر المسؤولية وسأرفع رأسيكما عالياً أنت ووالدي.

 

مروان يعلم الأجيال

   فماذا إذن عن والده مروان البرغوثي، وكيف علم بنبأ أعتقال ابنه، صحيح ان كل أب فلسطيني يعلم ان ابناءه في خطر وأنهم معرضون للأعتقال وأيضاً للأستشهاد، ولقد سبق ان هدد المحققون الاسرائيليون مروان بأبنائه خلال فترة التحقيق، وصحيح أن مروان بخبرته يتوقع ألا يتورع الإسرائيليون عن فعل أي شيء مع ذلك فأن الأمر المتوقع عندما يقع فعلا فلا بد ان يفاجأ من وقع عليه.

ولقد كان سيناريو وصول الخبر لمروان شديد الصعوبة، فخبر اعتقال ابنه لم يخبره به احد الأحبة عبر صياغة تخفف بقدر الامكان من وقع النبأ إنما وحده كان مروان في زنزانته الانفرادية القابع فيها منذ حوالي العامين عندما ادخلوا إليه ثلاث صحف باللغة العبرية بالإضافة لجريدة"جيروزاليم بوست"بالإنجليزية وجريدة القدس باللغة العربية، وهي الصحف التي تصل اليه إنما بعد صدورها عادة بأيام في مقابل مبلغ تودعه الأسرة في خزينة السجن، لكنهم في ذلك اليوم أدخلوا له الصحف في يوم صدورها نفسه.

طبعا باعتيادية من يفتح صحف النهار المتشابهة الأخبار فت مروان الجرائد واذا بخبر اعتقال ابنه يصدمه على صفحاتها.

لم يخبر مروان احد بكيف كان وقع الخبر عليه، هل فعل ما فعلته زوجته فدوى التي أخذت تروح وتجيء في شوارع مدينة رام الله بلا هدف الا التخلص من شحنة انفعال، ربما هو مثلها أخذ يروح ويجيء لتفريغ شحنة الصدمة انما في مساحة الزنزانة الضيقة، ربما صاح غضباً، ربما امتلأت عيناه بالدموع وهو يسترجع شريط ذكريات يتداخل فيها الحزن وبالفرح والآهات بالأشواق، حب الأحبة بكراهية الظلم ببغض القضبان بالحلم بالحرية، بالحنين الى دفء اللمة، بالتوق الى الشمس والضياء واللقمة الهنية والفراش المنزلي والنظر الى السماء حين يشاء، ربما توجه الى الله بالدعاء، ربما استرجع ذكرياته التي تتضمن أنه لم ير ابنه البكر هذا في يوم ولادته لأن مروان كان سجينا عندما انجبت زوجته ابنهما "القسام".

لكن المؤكد أن السكينة لم تكن من الممكن أن تنزل عليه بعد كل هذا الألم، إلا أنه مؤمن بأن الله لا يترك عباده المؤمنين، وبأن هذا ابتلاء وعليه أن يتحمله دفاعا عن قضيته العادلة، وبأن ابنه نموذج لأبناء الأسر الفلسطينية جميعها المعرضين في كل يوم لبطش الاحتلال.

 

الله معه

إنما ما عرفته زوجته فدوى من محاميه جواد بولس الذي زاره في اليوم التالي هو ان مروان كان ظاهراً عليه عبر الشبك أو السلك الذي يفصل المسجون عن المحامي أنه كان متأثراً بشدة، مع ذلك فقد قال له: عندما تم أعتقالي في المرة الأولى كنت أصغر من "القسام"" وعرفت كيف أدبر حالي، وسيعرف القسام كيف يدبر حاله إن شاء الله، فمروان أول مرة تم أعتقاله كان عمره خمسة عشر عاماً، وبعدها وفي سن 18 سنة تم الحكم عليه بالسجن لمدة اربع سنوات، وعندما وضعت زوجته فدوى ابنهما البكر " القسام" كان مروا سجيناً خلف قضبان الاحتلال. أما الجملة التي أخذ مروان يكررها أمام المحامي جواد بولس فهي أنه قد أخذ يدعو لقسام مكرراً: "الله معه".

بهذا الايمان استقبل مروان السجين نبأ اعتقال ابنه، فكيف استقبل القسام نبأ الحكم على أبيه بـ165 عاماً، ما رواه زملاء القسام لوالدته هو أن القسام لم يبك وده، بل لقد شاره البكاء ل الشباب وامتلأوا غضباً،  خاصة للطريقة التي استخدمها الجنود عند إدخال مروان الى المحكمة، مما جعله يقع على الأرض كمحاولة لإذلاله، إلا انهم استوعبوا بسرعة أن هذا ليس إذلالا لمروان وانما إذلالا لسجانيه، لأن ما جرى معناه أن هذا الرجل الذي جسده تحت قيودهم إلا ان  روحه وإرادته لم تخضع للقيد.

وعندما نشرت صحيفة عبرية في اليوم التالي للحكم على مروان صورته على صفحة بالكامل قام كل الاسرى بالاحتفاظ بهذه الصورة وتعليقها في زنازينهم فتأثر القسام بشدة من كل هذا الحب الذي يتمتع به والده مروان، مما جعل روحه المعنوية ترتفع، ولم تكن صورة مروان هي فقط التي يزين بها المعتقلون الزنازين، بل أيضا ًكلماته في المحكمة التي جاءت في الصحف العبرية من ان ما قام به هو مقاومة للاحتلال، وأن المقاومة هي واجب على كل وطني، وأن المقاومة هي واجب على كل وطني، وأن المقاومة لن تتوقف، وأحرجهم بقوله: لقد قلتم في وقت أن مروان البرغوثي هو المطلوب رقم واحد وألقيتم به خلف القضبان، وقلتم أن الشيخ احمد ياسين هو المطلوب رقم واحد وقتلتموه، وقلتم ان الرنتيسي هو المطلوب رقم واحد وقتلتموه أيضاً، وقلتم للأسرائيليين أن التخلص من المطلوب رقم واحد يعني الأمن لكم، أوهمتموهم عدة مرات بأنكم قد تخلصتم من المطلوب رقم واحد، ولم يحصلوا على الأمن ولا الهدوء، لذلك فعليكم أن تقروا بشيء واحد أن الاحتلال هو الذي يقتل الاسرائيليين وأن الانتفاضة ستستمر الى ان يزول الاحتلال.

 

وحده في الزنزانة

 وبانتهاء المحاكمة يعود مروان من جديد الى زنزانته الانفرادية، وعندما سألت فدوى عن إمكانية اختلاطه بعد الحكم عليه ببقية المعتقلين في السجون جاءني ردها بأن مروان في زنزانة انفرادية بناء على قرار من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، وأن القرار ينص على أن مروان البرغوثي يشكل خطراً على دولة إسرائيل إذا تواجد بين الأسرى، أو إذا استطاع  التواصل مع الخارج، ولذلك وضعوه في زنزانة انفرادية لا يستطيع الحديث فيها مع احد، كما منعوه من زيارة الأهل والأقارب، كل هذا على مدى عامين تخللهما أربعة أشهر فقط تم نقله خلالها الى زنزانة كبيرة مع مجموعة مع الأسرى في سجن "هداريم" مع السماح له بأن يكتب للأهل خطابات بخط يده، يتم ارسالها غبر المحامي ويجلس مع المحامي وبدون اسلاك تفصل بينهما، لكن مروان خلال تلك الفترة قام بعمل ندوات سياسية للأسرى كي يصبح السجن مدرسة ثقافية للمسجونين بما له من خبرة طويلة مع السجون السابقة التي دخلها وحرص على تأهيل المعتقلين الشبان من اجل ان يكمل كل منهم رسالته خلف القضبان، فترتب على ذلك نقله الى عزل انفرادي في سجن الرملة بقسم " أيالون" الذي ظل فيه حوالي السنة. ثم تم نقله الى عزل انفرادي بسجن"بئر السبع" الذي ما زال فيه منذ حوالي عشرة شهور، وهو أيضاً من أسوأ انواع العزل في السجون الاسرائيلية، مع ذلك هو حريص على مواصلة الاهتمام بكل شيء سواء بالاحوال السياسية او احوالنا الأسرية فلقد كان هو الذي أرسل لي مع المحامي بضرورة مناقشة رسالتي للماجستير في القانون، تلك المناقشة التي كانت مؤجلة ممنذ اختطاف مروان بسبب الظروف القاسية التي مررت بها، كما أرسل لنا عبر المحامي رسالة شفهية تتضمن ارتياحه الى ان القسام اختار ان يدرس في القاهرة، حيث الاطمئنان عليه من المصريين حكومة وشعباً بعد ان كان المطروح على القسام ان يدرس في بريطانيا، إلا ان القسام بعد ان قضى هناك شهرا كاملا عاد وقال انه اذا كان لا بد انم يدرس في الخارج فليكن في القاهرة.

والقسام الأن هو أيضاً كوالده لم يستسلك او يتعامل مع الحياة وكأنها متوقفة في السجن، بل انه كوالده يدرس اللغة العبرية، كما يقوم بتدريس اللغة الانجليزية لمن يحتاج من السجناء، ولقد اصبح الموجه الثقافي للخيمة الموجود فيها بسجن "عوفر" والبالغ عدد زملائه بها عشرين 20 شاباً، ثم اصبح بعد ذلك الموجه الثقافي للقسم الموجود فيه، ثم طلبوا منه ان يصبح ضمن الموجهين للسجن بأكمله والبالغ عددهم 800 سجين.

وتكرر فدوى البرغوثي: وأحمد الله على ان روحه المعنوية طيبة جدا على مدى الجلسات الخمس للمحكمة التي رأيته فيها مبتسماً، وملابسه نظيفة، بالرغم من انه هو الذي يقوم بخدمة نفسه، وما اسعدني اكثر انه ما يظهر عليه هو انه انسان عنده كبرياء وعنده كرامة واقتناعه بأن الثمن الذي يدفعه هو واجب على كل فلسطيني، فأنا سعيدة بأن هذه هي نتيجة أن القسام قد تربى في أسرة وطنية، مما جعله حريصاً على ألا يظن الاسرائيليون أنهم من الممكن أن يكسروه أو يكسروا أباه او يكسروا أباه به، والحمد لله على كل حال.

 

من نحن اتصل بنا مقالات وبيانات نشاطات الحملة دفتر الزوار  مواقع مهمة
صوت الأحرارملف القدس ملف الاستيطان ملف الجدار أغاني وطنية وثائق ملف اللاجئين