:: التغطية الاعلامية ::
بسم الله الرحمن الرحيم
انتفاضة الأسرى

بقلم المحامية فدوى
البرغوثي
ان احد أكثر مظاهر الاحتلال بشاعة وظلما منذ عام 1967 هو
الاعتقالات التي شملت ما لا يقل عن نصف مليون مواطن مرورا في سجون ومعتقلات وزنازين
الاحتلال الإسرائيلي.
يمكن القول ان هذا العدد من المعتقلين لم يحدث في أي بلد خضع
للاحتلال الاستيطاني الاستعماري مقارنة بعدد السكان، ومنذ عام 1967اتخذت الحكومة
الإسرائيلية قراراًَ بالتعامل مع الأسرى الفلسطينيين باعتبارهم أسرى جنائيين أو ما
يطلق عليه تمييزا عن الأسرى الجنائيين أسرى أمنيين ولم تعتبرهم حتى اللحظة أسرى حرب
أو أسرى سياسيين.
لقد انتفض الأسرى على مر العقود الماضية وتمكنوا من تحقيق
انجازات كان لها اثر كبير في نمو وتطور الحركة الوطنية الأسيرة، وهذا يأتي بفضل
سلسلة من النضالات اليومية تخللتها إضرابات طويلة عن الطعام ومواجهات يومية لم
تتوقف، حيث استشهد ما يزيد على 119مناضلا داخل السجون وزنازين التحقيق منذ عام
1967وحتى هذا التاريخ.
لقد اتبعت إدارة السجون كل ما يمكن ان يخطر على البال من أساليب
من اجل إضعافهم وتقويض انجازاتهم التي تراكمت من حرب الأمعاء وبعذابات طويلة وبصمود
أسطوري لم يتوقف، وقد لعب الإضراب الأخير في شهر أيار عام 2000 دورا هاما في
تحسين أوضاع الأسرى، ومنذ انطلاق الانتفاضة المباركة عام 2000، شنت سلطات الاحتلال
وإدارة مصلحة السجون عدوانا عليهم من اجل تقويض منجزاتهم بالتزامن مع العدوان
المستمر على الأرض، وقد واجه الأسرى بصبر وجد هذا العدوان.
وانطلاقا من الدور التاريخي الذي لعبه هؤلاء المناضلون في
الحركة الوطنية سواء داخل المعتقل أو بعد تحررهم فقد قررت حكومة شارون وضع خطة
جديدة تستهدف قهرهم وإذلالهم والقضاء على مكتسباتهم، فعينت لهذا الغرض الجنرال
يعقوب غينوت رئيسا لمصلحة السجون، وشكلت وحدة «إرهاب» جديدة مزودة بأحدث الأسلحة
والتدريبات لتبث الهلع والرعب لدى الأسرى من خلال الهجمات المتواصلة عليهم.
وقد وصلت الحملة ذروتها في العامين الماضيين حيث تضاعف عدد
الأسرى بشكل لم يسبق له مثيل وانقضت مصلحة السجون عليهم حيث اتخذت سلسلة من
الإجراءات ضد الحركة الأسيرة أبرزها التفتيش العاري المذل الذي يمارس في أغلب
السجون وعلى الأخص في سجن شطة وغيره، حيث يتم إخراج الأسرى بشكل جماعي وتعريتهم
بشكل كامل أمام بعضهم بعضا، كما ان التفتيش الجسدي يتم بطريقة شرسة، إضافة إلى
مصادرة أغراضهم البسيطة مثل الراديو والتلفزيون وبلاطة المطبخ والكتب.
ويضاف إلى هذا منع الأهالي من الزيارة منذ عدة سنوات، ووضع
الزجاج البلاستيك على شبابيك الزيارة وتقليص الفورة ومنع دخول الكتب وحرمان الأسرى
من الدراسة في الجامعة ومن امتحانات الثانوية العامة، بالإضافة إلى فرض الغرامات
عليهم ومصادرة أموال "الكانتين" التي بحوزتهم ناهيك عن عزل عشرات القادة في السجون.
ان المطلوب فلسطينيا على الصعيد الرسمي هو وضع خطة رسمية تكفل
الدفاع عن الأسرى وتحريرهم باعتبارهم قضية وطنية وسياسية من الدرجة الأولى، وهذا
يرتب على القيادة الفلسطينية عدم تكرار الخطيئة التي وقعت بها في اتفاقية اوسلو وما
تلاها، والتي أهملت قضيتهم الأمر الذي جعل المئات منهم يقضون أكثر من 10سنوات في
السجون.
ان على القيادة الفلسطينية ممثلة باللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير الفلسطينية ومجلس الوزراء اتخاذ قرار حاسم وواضح وملزم بأنه لن يتم توقيع
أي اتفاقية لا تضمن الإفراج الشامل عن جميع الأسرى، إضافة للتمسك بالثوابت الوطنية،
وكذلك فان المطلوب من القيادة ان تضع خطة للتحرك على المستوى العربي والدولي تهدف
الى تطبيق اتفاقيات جنيف على الأسرى الفلسطينيين، وانتزاع قرار دولي بالتعامل معهم
كأسرى حرب، بما في ذلك الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة واللجنة الدولية
لحقوق الإنسان، وحتى محكمة لاهاي إذا استدعى الأمر، مع انه يمكن الاستفادة من قرار
محكمة لاهاي التاريخي الذي دعا إلى تطبيق اتفاقية جنيف على الأراضي الفلسطينية
المحتلة.
ان تطبيق اتفاقية جنيف يعني وقف عمليات التحقيق والتعذيب
والمحاكمات الصورية لآلاف الأسرى والمعتقلين وإعادتهم إلى معسكرات في الأراضي
المحتلة وليس في السجون الإسرائيلية، والتعامل معهم طبقا لمواد القانون الدولي
القاضي باحترامهم واحترام مراتبهم ودرجاتهم وغير ذلك.
لقد بات من الضروري تحقيق هذا الهدف بعد ما يقارب من الأربعة
عقود على الاحتلال الإسرائيلي وعلى معاناة عشرات الآلاف في سجون الاحتلال. وبعد ان
ثبت وبشكل قاطع وبقرار من أعلى هيئة قانونية في العالم ان القانون الدولي الى
جانبنا بالكامل، بعد ان أهمل هذا الجانب لسنوات طويلة وقد حان الوقت للاستناد
للقانون الدولي في كفاحنا ونضالنا.
لقد حان الوقت ليتفاعل كافة القادة الفلسطينيين والمسؤولين على
اختلاف مواقعهم مع قضية الأسرى والتحرك في إطار خطة لها أهداف ولها إطار، ونريد ان
نرى تحركا يقوده وزراء الخارجية وشؤون المفاوضات، الأمر الذي لم نلمسه حتى الآن،
ويجب التذكير بقضية الأسرى في كل لقاء ومقابلة دولية أو إقليمية، وعلى الفصائل
الفلسطينية جميعها دون استثناء واجب ومسؤولية كبيرة تجاه الأسرى، فإذا كانت السلطة
تتحمل مسؤولية من خلال عملية التفاوض ومن خلال الرعاية، فان على الفصائل مسؤولية
ليست اقل من ذلك سيما وأن هؤلاء هم فرسان الانتفاضة وطلائع المقاومة وهم الذين
عززوا موقع الفصائل المختلفة ولا يجوز للفصائل إهمال هذا الملف.
علينا ان نكرس جهدا خاصا لتأمين إطلاق سراحهم ، ويجب ان لا
يبقون أسرى للتفاوض فقط، وكذلك تتحمل الفصائل مسؤولية تقديم الدعم المادي والمعنوي
والجماهيري على هذا الصعيد.
وليس من المعقول ان نطلب من مناضلين من امثال سعيد العتبة وفخري
البرغوثي ونائل البرغوثي وسمير قنطار وأبو علي يطا وغيرهم من الذين امضوا اكثر من
ربع قرن في سجون الاحتلال ان ينتظروا المزيد.
ان على الجميع ان يتحرك من اجل تأمين إطلاق سراحهم وفي مقدمتهم
قدماء الأسرى، اما مؤسسات المجتمع المدنية والأهلية والمنظمات الجماهيرية والشعبية
والحقوقية فان عليها واجبا خاصا في الضغط والتحرك الشعبي والجماهيري تضامنا معهم،
حيث سنشهد خلال الأيام القادمة أو الأسابيع على اكثر تقدير انتفاضة للأسرى داخل
السجون تحت شعار (نعم لآلام الجوع ...ولا للركوع) وهذا يتطلب من كل مواطن ومن كل
مسؤول ان يقوم بواجبه في مساندة قضيتهم باعتبارها جزءا من القضية الوطنية قضية
الحرية والاستقلال.
10 ايلول 2004