:: التغطية الاعلامية ::
كيف نواجه
«أزمة» مروان البرغوثي؟
الأزمة التي أثارها مروان البرغوثي من سجنه، حين قرر ترشيح نفسه للرئاسة
الفلسطينية، ليست أزمة شخصية، وليست أزمة شخص. والذين ردوا على هذه الأزمة من قادة
فتح، مهددون بفصل كل من يعارض قرارات قيادة الحركة، كانوا يعالجون مشكلة شخصية، ولا
يرون الجانب الموضوعي والواقعي من هذه الأزمة. وإذا كان الوسطاء الذين حاولوا إقناع
البرغوثي بسحب ترشيحه لم ينجحوا بمهمتهم حتى الآن، فلأنهم حسب رأيي، لم يجيدوا
مخاطبته. حاوروه على أنه مشكلة شخصية يجب أن تزول من الطريق من أجل المصلحة العامة،
ولم يحاوروه على أساس أنه صاحب قضية سياسية وتنظيمية، ويحتاج لكي يغير موقفه إلى
تفهم القيادة لجملة من المطالب التي يمثلها.
ولنفترض أن البرغوثي تجاوب مع مطالب الوسطاء، وسحب ترشيحه للرئاسة، وانضبط لقرارات
القيادة التنظيمية، فهل ستحل الأزمة داخل حركة فتح؟ الجواب قطعا لا. ذلك أن هناك
أزمة داخل حركة فتح، أزمة كبيرة، أزمة تكوينية، وقد تأخرت حركة فتح في معالجتها،
وقد آن لها أن تفعل، وإلا فإن هذه الأزمة الكبيرة ستجد لها في المستقبل تعبيرات
أخرى، من نوع التفتت أو الانشقاق أو التلاشي التدريجي للتأييد الشعبي الواسع. وما
حدث مع مروان البرغوثي هو بمثابة إطلاق صفارة الإنذار، ولا بد من وجود جهة تتحرك
صوب موقع الصفارة لمحاصرة النار التي قد تندلع.
ووجود أزمة داخل حركة فتح أمر لا يعيبها، بل هو مظهر من مظاهر قوتها، ففتح حركة
قائدة في المجتمع الفلسطيني، وهي حركة ذات امتداد شعبي واسع، والغالبية الغالبية من
أعضائها ليسوا إمعات بل مناضلون شرفاء، ومن هنا فإن بروز الأزمات فيها يعبر عن حراك
سياسي بعيد عن الجمود والتبعية الميكانيكية للأوامر. وهؤلاء الغالبية الغالبية من
أعضائها، بادروا إلى تنفيذ مهمات جليلة، عبر الانتفاضتين الأولى والثانية. بدأوا
تنفيذ المهمات وهم شباب يافعون، وأصبحوا الآن بعد سبعة عشر عاما من موعد انطلاق
الانتفاضة الأولى رجالا ناضجين نضاليا وسياسيا، ووثيقي الصلة بجمهورهم وشعبهم. يضاف
إلى هذا أن هؤلاء الغالبية الغالبية من نشطاء حركة فتح ينتمون إلى شريحتين
اجتماعيتين ، لهما تاثيرهما الواسع في أوساط الشعب الفلسطيني: شريحة الطبقة الوسطى
الصغيرة والتي جل أفرادها من المتعلمين والمثقفين، وشريحة مجتمع مخيمات اللاجئين
بما لهذا المجتمع من خصائص اجتماعية (الفقر) وسياسية (مناضلي الانتفاضة). وهاتان
الشريحتان هما اللتان يطلق عليهما الآن وصف الجيل الجديد داخل حركة فتح، ويطلق
عليهما أحيانا وصف صراع الأجيال. وهذا الوصف الأخير قد لا يكون دقيقا، وقد لا يكون
مرغوبا، لأن الممكن والمرغوب داخل كل تنظيم ناشط، هو تناغم الأجيال وليس صراعها، إذ
أن ما يجمع الكل داخل حركة فتح هو النضال والتضحية، وليس النزاع على المواقع
والمكاسب، ولكن حين تتلكأ القيادة في فهم الظاهرة، وحين تتلكأ في التعامل الايجابي
معها، فإن الأمر يتحول إلى صراع أجيال، وتصبح وسائل العلاج حينها، وسائل قسرية قد
تقود إلى كل ما هو سيئ.
لقد استطاعت حركة فتح، عبر تاريخها النضالي، والذي هو في جوهره تاريخ نضال الشعب
الفلسطيني الحديث، أن تفرز أجيالا نضالية في كل مرحلة، واستطاعت في مرحلة النضال
والثورة أن تستوعب أجيالها الجديدة، وأن تعتني بهم، وفعلت ذلك حسب قواعدها
التنظيمية المقررة، وفعلت ذلك بوصفها فصيلا فدائيا وقائدا.
ولكن الأمور اصبحت الآن مختلفة، وقد لا تكون القواعد التنظيمية وحدها كفيلة
بالمعالجة، وربما يحتاج المرء إلى أفق ورؤية جديدين. يحتاج إلى ابتكار أساليب من
التفاعل الخلاق، كما يحتاج الى سرعة في القرار والإنجاز.
لقد تحولت حركة فتح من فصيل إلى نوع من الحزب الحاكم. وتحولت من فصيل يقود منظمة
التحرير إلى فصيل يقود مجتمعا فيه الكثيرون ممن هم ليسو من حركة فتح. وتحولت من
قيادة تقود عملا سريا هو بطبيعته عمل نخبوي، إلى قيادة تعيش في وسط انتفاضة شعبية
لا مجال للنخبوية فيها. ولقد حدثت كل هذه التغيرات من دون أن تحدث حركة فتح أي
تغيير في بنيتها التنظيمية يستوعب هذه التغيرات كلها. وقد آن لها أن تفعل.
إن حركة فتح مطالبة الآن بالانفتاح على جمهورها التنظيمي باعتبارها حركة سياسية،
وهي مطالبة في الوقت نفسه بالانفتاح على الجمهور الفلسطيني، بتنظيماته من جهة،
وبقواه الاجتماعية من جهة أخرى.
ويشكل هذان الأمران عملية انفتاح واسعة تقتضي دراسة الأسس التنظيمية التي قامت
عليها الحركة، وأهمية إحداث تغيير فيها يتلاءم مع الأوضاع الجديدة. كما تقتضي أن
تخرج حركة فتح، في مجال بناء السلطة، من إطارها التنظيمي الخاص بها، إلى إطار
التفاعل مع القوى الاجتماعية، ومع الفصائل الفاعلة الأخرى.
ولا نريد هنا أن نلعب دور الناصح المزعج، ولكننا نسأل: ما الذي يمنع من صدور قرار
يعلن ضم بعض اعضاء (اللجنة الحركية العليا)، وهم قادة التنظيم في الضفة وغزة، إلى
قيادة حركة فتح (اللجنة المركزية)؟ ما الذي يمنع من صدور قرار يعلن ضم قيادات
الميدان الفاعلة في مختلف المدن الفلسطينية إلى عضوية المجلس المركزي للحركة؟ ما
الذي يمنع من إقرار عرف بأن تجري مناقشة القضايا الأساسية للعمل (الخطط
والاستراتيجيات) في لقاء مشترك يتم بين اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وتكون
قرارات اللقاء ملزمة (ذلك أن قرارات المجلس الثوري ليست ملزمة للقيادة في نظام فتح
الداخلي ).
إن إجراءات من هذا النوع كفيلة بأن تغني حركة فتح بقيادات شابة جديدة، هي في العمق
من صنعها، وهي بالتالي مفخرة لها، ومن شأن هذه القيادات الشابة الجديدة أن تتأهل
عبر الممارسة والخبرة، لمواصلة النضال الفلسطيني في مراحله الصعبة القادمة، وهذا هو
التناغم الذي نتصور له أن ينشأ، بدلا من نظرية تصارع الأجيال التي يسهل تداولها من
دون إدراك مخاطرها.
وإذا قدر لهذه العملية أن تبدأ داخل حركة فتح، فلا بد من أن تستند إلى عقلية جديدة
في العمل، لا إلى معالجة سريعة تنشأ هنا أو هناك. وحين توجد هذه العقلية فإنها
ستمتد دون شك نحو التعامل مع الآخرين، نحو الفصائل العاملة داخل منظمة التحرير،
ونحو تلك الفصائل العاملة خارجها، فيتم التحاور معها بمنطق بناء علاقات جديدة، لا
بمنطق الالتحاق بما تقرره أو تريده حركة فتح. وكذلك فإن هذه العقلية إذا وجدت،
ستمتد نحو القوى الاجتماعية الفلسطينية لبحث اشكال التفاعل معها، بحيث تستطيع أن
تعبر عن نفسها، وعن وزنها، داخل المؤسسات كافة، خارج السلطة وداخلها.
ضمن إطار عقلية من هذا النوع، وضمن إطار برنامج من هذا النوع، يمكن الاتصال مع
مروان البرغوثي ومحاورته، ونتوقع أن يعتبر ذلك مبررا كافيا لكي يسحب ترشيحه ويعود
إلى الالتزام بقرارات قيادته، وإلا فإن استمراره بعد ذلك سيسجل عليه، ولن يكون
لصالحه.
ولن يخلو الأمر طبعا من قوى تتستر برداء الأجيال الجديدة، من أجل أن تصل إلى مواقع
النفوذ والسلطة، بينما هي تخفي الخناجر وراء ظهرها. إن هذه القوى معروفة لدى
الجميع، ومواجهتها هي مسؤولية الجميع.
_______________