:: التغطية الاعلامية ::
مروان البرغوثي: نلسون
مانديلا
الفلسطيني!
*اسمه
الحركي (أبو القسام) ومولده يوم 6 يونيو 1960م.
*رفض
طلب
(كلينتون) تهدئة الانتفاضة لإنجاح مفاوضات طابا.
*صرخ
في وجه (عرفات)
احتجاجا
على
اعتقال عناصر الجبهة الشعبية.
*سهر
مع وزير إسرائيلي في ايطاليا
حتى
مطلع
الفجر.
*
الاعتقال زاد
شعبيته لدى الفلسطينيين كما لدى الغرب
والإسرائيليين.
هو(أبوالقسام)
،بطل الانتفاضة..
هو
ابن
(فتح)، المعارض
الشرس
لـ
(عرفات) والسلطة..
هو
داعية
الحوار مع إسرائيل بالكلام وبالحجارة
وبالسلاح
أيضا..
هو
حامي
السلطة من الإسلاميين وحامي الإسلاميين من السلطة..
هو(نلسون
مانديلا) فلسطيني حقيقي، تستمر إسرائيل في سجنه، مستمرة في الوقت
نفسه
بالرهان عليه كأفضل مفاوض للمستقبل.
هو(مروان
البرغوثي) الأسير، الذي
نستعرض
تفاصيل
ووقائع كثيرة ومثيرة عن مساره في التحقيق التالي:
من
زنزانته
في السجن الإسرائيلي، وبمساعدة محاميه، أدار (مروان
البرغوثي)
مفاوضاته
السرية مع قادة حماس والجهاد الإسلامي لإقناعهم بوقف عملياتهم
الاستشهادية
ضد
الاحتلال الإسرائيلي. تلك المفاوضات التي جرت برضا سلطات الاحتلال،
وبمباركة
رئيس
الحكومة الفلسطينية (محمود عباس)، والتي أفضت في النهاية إلى قبول
التنظيمات
الإسلامية
بالهدنة المؤقتة، التي سرعان ما بدأ الصهاينة بانتهاكها مرارا
وتكرارا
إلى أن
سقطت مع القتلى والجرحى الإسرائيليين الذين سقطوا في عملية تفجير
حافلة
القدس.
السجن
لم ينه
تأثير ونفوذ رئيس حركة (فتح) في الضفة على المقاتلين
الفلسطينيين..
وهذا على
أي حال ما أكدته صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في عددها
السابع
من يوليو
الفائت، حيث أظهرت ان مستوى شعبية (محمود عباس) لدى المناضلين
الفلسطينيين
بالكاد
تصل إلى 10 في المائة، فيما الغالبية العظمى منهم تتعاطف مع
مروان
البرغوثي الذي تعتبره قائد الانتفاضة والأكثر شعبية من ياسر عرفات نفسه
حسب
(هآرتس).
ومن
جهتهم، لا
يخفي المسؤولون الإسرائيليون اعترافهم بتصاعد نفوذ
وشعبية
(مروان
البرغوثي) في الشارع الفلسطيني، وهذا ما يجعلهم بنظر المراقبين
يتشددون
أكثر في
عدم إطلاق سراحه بل وفي زيادة قسوة ووحشية ظروف اعتقاله.. حيث جرى
منذ
أيام نقله
إلى سجن (شطةا) الواقع تجاه الحدود اللبنانية، والمعروف بأنه
(ألكتراز)
السجون الإسرائيلية لشدة تحصينه ولشدة الإجراءات القمعية فيه مما يجعله
مخصصا
لكبار السجناء الاستثنائيين حيث الزنزانات الانفرادية وحيث إذا أراد الحراس
الدخول
إلى إحدى
الزنزانات يتوجب عليهم عبور سلسلة من خمس بوابات محصنة.
بين
دولتين
(مروان) النائب
الفلسطيني الشاب ابن الثلاثة والأربعين عاما، متهم من
جانب
إسرائيل
بأنه "قاد وخطط وشجع وشارك "في أعمال إرهابية.. أدت إلى مقتل مئات
الإسرائيليين..
وعلى هذا
الأساس بدأت أولى جلسات محاكمته في الخامس من سبتمبر 2002،
وماتلاها
أمام محكمة تل أبيب المدنية.. وكما في سائر جلسات المحكمة ـ المهزلة كان البرغوثي
يرد على التهم المنسوبة إليه بذكر سيل من ممارسات الإرهاب الإسرائيلي،
مؤكدا
ان السلام
لا يمكن أن يحصل إلا بين دولتين! وفي وقفة بطولية عز نظيرها في
هذا
الزمن
العربي الرديء، صرخ البرغوثي في وجه القاضي الإسرائيلي: أنا لست
إرهابيا،
أنتم
الإرهابيون، أنا أناضل من أجل حريتي وحرية أولادي وحرية كل شعبي
الفلسطيني.
وإذا كان
النضال من أجل الحرية جريمة، فأنا مجرم!
كلام
البرغوثي
أحدث
فوضى
واضطرابا في قاعة المحكمة، وتدخل رجال الشرطة بعدما لاحت بوادر أعمال عنف
بين
جمهوري
المحاكمة، الفلسطينيين والإسرائيليين، اللذين كانا في قاعتين منفصلتين.
جلسات
محاكمة
مروان البرغوثي، كما المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية،
السابقة
والحالية،
أشبه بحوار طرشان حقيقي.. هذا يريد وقف الاحتلال الإسرائيلي وهذا
يريد
وقف
الانتفاضة، والنقطة الوحيدة التي يتفق عليها الطرفان هي ان قضية محاكمة
البرغوثي
ليست محاكمة شخص بل محاكمة (سياسة) وأن النتائج المترتبة عنها تتجاوز
مصير
شخص
البرغوثي بكثير.. وعلى أي حال فهذا ما يؤكد عليه البرغوثي منذ
البداية،
من خلال
تكرار إعلان عدم اعترافه بالقضاء الإسرائيلي ومن خلال إصراره على
رفض
توكيل
محامي دفاع عنه بل يقوم هو وحده بالدفاع عن نفسه.. وحده لكن محاطا بعدد
كبير
من منظمات
حقوق الإنسان ومن المحامين العرب والأوروبيين وحتى الإسرائيليين
أيضا
الذين
جاءوا لدعمه والذين شددوا على ان قيام الشرطة الإسرائيلية باعتقاله يشكل
انتهاكا
لاتفاقيات
أوسلو، حيث ان عملية الاعتقال جرت في مكان خاضع قانونيا للسلطة
الفلسطينية
وليس
للسلطة الإسرائيلية، إضافة إلى انه ليس من رعايا الدولة
الإسرائيلية،
وإضافة
أيضا وأيضا إلى الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها باعتباره
نائبا
فلسطينيا!
على
أن أكثر
المرافعات الدفاعية عن البرغوثي إثارة جاء من جانب
المحامي
اليهودي
المتشدد (شامئي ليبوويتز-ابن الفيلسوف الشهير ليبوويتز) الذي شبه
مروان
البرغوثي بالنبي (موسى) قائلا: إن البرغوثي مثل نبينا موسى الذي مارس العنف
ضد
المصريين
من أجل حرية شعبه!
مانديلا
الفلسطيني.
لقد
ارادت
حكومة شارون
من
خلال
محاكمة البرغوثي إلصاق تهمة الإرهاب ليس به كقيادي فلسطيني بارز فحسب،
ولا
بحركته
(فتح)فحسب، بل بكل المناضلين الفلسطينيين.. لكن، وبإجماع الدوائر
السياسية
الغربية
وحتى بعض الدوائر الإسرائيلية أيضا، بدأ التساؤل عما إذا كان سحر شارون قد انقلب
على الساحر وبحيث ان اعتقال البرغوثي ومحاكمته أظهره ليس كمجرم
وإرهابي
كما أراد
شارون بل كضحية وكمدافع عن قضية عادلة.. والكلام بدأ ينطلق بكل
صراحة
حول أن
مروان البرغوثي قد تحول بفضل غباء وهمجية إسرائيل إلى (نلسون
مانديلا
الفلسطيني)!
وبالفعل،
فقبل
اعتقاله كان (مروان) واحدا من القادة
الفلسطينيين،
أما بعد
الاعتقال فأصبح القائد الأبرز والأكثر شعبية لدى الفلسطينيين
والأكثر
شهرة حتى
في الإعلام الغربي والإسرائيلي. وهذا ما يغيظ شارون الذي لا
يملك
من
الذرائع والتلفيقات ما يتيح له تحويل بطل الانتفاضة هذا إلى العدو الرقم
واحد
لإسرائيل
على الطريقة الأميركية الطيبة الذكر.
وعلى
المستوى
الشخصي، عرف البرغوثي كيف يكون ابن الختيار (عرفات) وفي الوقت نفسه (أخا الشباب)،
يقود
انتفاضتهم
ويرتدي
مثلهم سروال جينز وقميص تيشيرت ويحتسي الشاي برفقتهم بعد صحن الفول
في
مقهى شعبي
في رام الله.. حتى حراسه في سجنه الإسرائيلي يجدونه (أفضل سجين
فلسطيني)
،
وكما قال أحدهم
لصحيفة معاريف:"إنه دائم المزاح، حتى عندما يتشاجر
معنا".
وإذا
كانت بعض
فعاليات السلطة الفلسطينية (تغار) من مروان وتعتبر أن
تواضعه
وتقربه من
الشارع مجرد ستار لطموحات شخصية، فالمفارقة ان أحد الضباط
الإسرائيليين
وصفه
بأنه: رجل غير ايديولوجي ولكنه يستمد شرعيته الشعبية من خلال
فهمه
الكامل
لجيله، جيل ما بعد حرب يونيه 1967! والضابط الإسرائيلي لا يخفي اعجابه
الشخصي
بهذا
(البرغوثي) الذي يتكلم العبرية بطلاقة تامة، والذي لا يتوانى عن
التنديد
بفساد
السلطة الفلسطينيةوبلا ديموقراطيتها.
في
بداية
الانتفاضة نظر
اليسار
الإسرائيلي إلى مروان كرمز للجيل الثاني من (الفدائيين) الذين نشأوا في ظل
(فتح
عرفات).. وبعض اليساريين أطلقوا عليه لاحقا لقب (نابليون الانتفاضة).. وحتى
اليمين
الإسرائيلي ينظر اليه) بالكثير من التقدير. وبحيث ان وزير العدل
الليكودي،(مائير شتريت)، قال مرة أمام وفد من البرلمانيين الأوروبيين: لم يعد
بوسعنا
التعامل
مع عرفات.. علينا إيجاد محاور فلسطيني معتدل ومنفتح كمروان البرغوثي
مثلا)!
وكشف (شتريت)
انه في اطار أحد الاجتماعات السرية في ايطاليا بين
مبعوثين
فلسطينيين
وإسرائيليين: (فوجئت بمروان البرغوثي) يدق باب غرفتي في الفندق
عند
منتصف
الليل، وبقينا نتناقش حتى الساعة الرابعة فجرا.... لكن وزير العدل يضيف:
لم يكن
يخطر ببالي أن هذا الصديق الفلسطيني سوف يصبح إرهابيا خطيرا!
عيد النكسة
هل
حدث
تحول فعلا
في نهج (البرغوثي) كما يتوهم الوزير الإسرائيلي؟
جهاز
الاستخبارات
العسكرية
الإسرائيلية (شين بيت)، وكذلك جهاز الموساد كشفا انه كانت لـمروان البرغوثي ملفات
عندهما منذ كان فتى دون العشرين من عمره... كان في الثامنة
تماما
من عمره
يوم اندلاع حرب 1967، فهو من مواليد 6 يونيو 1959. وهو يقول ممازحا
على
عادته:
لقد اعتدت أن أحزن في يوم عيد ميلادي
لأنه يوم
النكسة العربية. فتح
عيونه
مبكرا على
النضال خصوصا وأنه ولد في عائلة تدور في فلك الحزب الشيوعي
الفلسطيني..
وكان
مروان في
السادسة عشرة من عمره عندما انتسب إلى حركة (فتح)
سرا،
ولم ينكشف
انتسابه إلا عام 1976 عندما شارك في حملة الانتخابات البلدية في
الضفة
والقطاع
مروجا لمرشحي فتح. وقد كلفه ذلك الانكشاف ست سنوات من السجن
الإسرائيلي
تعلم
خلالها اللغة العبرية، كما تزوج خلالها أيضا من المحامية الشابة
الشقراء(فدوى).. ولدى خروجه من السجن التحق بجامعة بيرزيت في كلية العلوم
السياسية
والعلاقات
الدولية، وكانت أطروحته الجامعية حول العلاقات الفرنسية-
الفلسطينية..
وفي
الجامعة قام بتأسيس حركة (الشبيبة) المرتبطة بفتح، ثم لدى اندلاع
الانتفاضة
الفلسطينية الأولى كان في طليعة قادتها والمشاركين في وضع خططها
واستراتيجياتها..
لدى
إبعاده
خارج الأراضي الفلسطينية عام 1987، لعب مروان من
عمان
دور ضابط
الارتباط ما بين قيادة (فتح) النازحة إلى تونس وبين الفروع المحلية
داخل
الضفة
والقطاع.. إلى أن جرى انتخابه عضوا في المجلس الثوري لحركة (فتح) حيث
كان
أصغر
الأعضاء سنا (28 عاما)... ثم ولدى عودته إلى الداخل بعد توقيع اتفاقيات
أوسلو،
جرى تعيين
مروان أمينا عاما مساعدا لحركة (فتح) في الضفة، كما جرى لاحقا
انتخابه
عام 1996
برفع الأيدي عضوا في المجلس التشريعي (البرلمان الفلسطيني).
مؤيد
أوسلو
كان
البرغوثي من أشد المتحمسين لاتفاقيات أوسلو، وبحيوية بالغة
نشط
في إحياء
تقارب فلسطيني- إسرائيلي من خلال تنظيمه للقاءات بين برلمانيين
ومثقفين
وأساتذة
جامعيين من الطرفين.. امتطى مروان صهوة فارس السلام لكن بدون أن
يتخلى
عن أسلحته
الحربية قبل جلاء قوات الاحتلال عن (الأراضي) الفلسطينية وقبل
إطلاق
سراح
المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية (ومن بينهم قريباه فخري
ونائل
برغوثي
المسجونان منذ 24 عاما).
وبموازاة
تحركه في
إطار الحوار
الفلسطيني-
الإسرائيلي، كان مروان يدعو إلى المقاومة الشعبية بمختلف أشكالها:
عصيان
مدني،
مسيرات احتجاجية، وقذف الجنود اليهود بالحجارة.. فاجأ الشعب الفلسطيني
بإعلانه
بأن
الكفاح المسلح ليس هو الحل الوحيد لمقاومة إسرائيل، بل هناك حول أخرى
كالمقاومة
المدنية.
مجيء(ايهود
باراك) إلى السلطة رفع منسوب المرارة والتشدد
لدى
البرغوثي وخصوصا بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في يوليو 2000. ثم عندما قام
شارون
بزيارته الاستفزازية إلى حرم المسجد الأقصى استنفر (البرغوثي) رجاله للرد
على
الاستفزاز
الشاروني. والمفارقة انه لدى وصول (شارون) إلى الحرم لم يكن في صفوف
الفلسطينيين
الغاضبين
سوى ثلاثة نواب فلسطينيين فقط، وعشرة نواب عرب في الكنيست.
لكن
لدى
معاودة المفاوضات في طابا، توجه الرئيس (كلينتون) شخصيا إلى البرغوثي طالبا
منه
(تهدئة المتظاهرين). وكان رد البرغوثي: لن نوقف المظاهرات من أجل خاطر
أي
كان، ونحن
مستمرون فيها طالما الإسرائيليون مستمرون في أعمالهم القمعية ضد
شعبنا)..
لم يكن ضد
مفاوضات طابا، لكنه كان ضد نزع ورقة الانتفاضة من يد المفاوض
الفلسطيني.
وقال
يومها في مقابلة أجرتها معه صحيفة (معاريف) الإسرائيلية: إسرائيل
غير
جادة في
إنهاء احتلالها لأراضينا ولا في إحلال السلام.. والقوة هي الخيار
الوحيد
لمواجهتنا
لها. وهذا ما يجعل من الانتفاضة الفلسطينية انتفاضة من أجل
السلام.
نعرف أنه
سوف يموت الكثيرون منا، لكن ليس لدينا خيار آخر.
وأضاف:
لقد
ماتت
أوسلو
بموت اسحق رابين.. وانتخاب شارون لرئاسة الحكومة في فبراير 2000 جاء
ليصب
الزيت على
النار. لا فرق بالنسبة إلينا بين (بيريز) و(باراك) و(شارون).. لكن شارون هو
الخرطوشة الأخيرة في جعبة الإسرائيليين لكن لا حل أمامهم في النهاية سوى
الجلاء
عن
أراضينا.
خلافةعرفات؟
مواقف
البرغوثي هذه أثارت استياء(أصدقائه) القدامى في (معسكر السلام) الإسرائيلي من أمثال
الوزير (يوسي بيلين)
وغيره..
لكنها
زادت في المقابل من شعبيته في أوساط الفلسطينيين الذين بدأوا يرون
فيه
الوريث
الشرعي لزعامة ياسر عرفات.. وقد نشرت صحيفة (هآرتس) كلاما منسوبا
لأحد
كبار ضباط
الاستخبارات (يوسي كبرووسير) يقول فيه: أن البرغوثي يقوم بتصعيد
الانتفاضة
بهدف
تغليب نفوذه السياسي على نفوذ عرفات!.. ويتناغم هذا الكلام
الإسرائيلي
مع كلام
الجامعي الفلسطيني (خليل الشقاقي) الذي قال: ان الانتفاضة، إلى
جانب
كونها
تعبيرا عن خيبة الأمل الفلسطينية في اتفاقية السلام، هي في الواقع ثورة
على
الحرس
الفلسطيني القديم الذي فشل في تحقيق الاستقلال الفلسطيني والغارق في
الفساد
واللاشفافية.
على
الجانب
الإسرائيلي، يرتسم السؤال الأبرز: من الأقوى،ياسر عرفات أم مروان البرغوثي؟!
الإسرائيليون منقسمون تجاه البرغوثي: منهم من
يعتبره
المفاوض
الفلسطيني الأفضل والأقوى، ومنهم من يرفض الحوار معه (لأن يديه
ملطختان
بالدم
الإسرائيلي)! وحتى بعد إصدار مذكرة توقيف بحقه يوم 23 سبتمبر 2001،
استمر
قادة
صهاينة أمنيون وسياسيون بالرهان على تسوية المشكلة والإبقاء على البرغوثي كمفاوض
للمستقبل.. لكن في المقابل كان هناك من يرى ان الضغط على شخص
البرغوثي
من خلال اعتقاله سوف يضعف الإيقاع العنفي للانتفاضة.. لكن القوات
الإسرائيلية
فشلت في
القبض على البرغوثي حتى الخامس عشر من أبريل من العام 2002
وبعدما
كان أصبح،
إضافة إلى كل مآثره السابقة، نجما إعلاميا ومدافعا بليغا عن نفسه
وعن
شعبه
وبحيث أفردت له صحيفة الواشنطن بوست في يناير 2002 مقابلة مطولة قال فيها:
لست
إرهابيا لكنني لم أعد مسالما.. لا أريد تدمير إسرائيل لكني أريد إنهاء
احتلالها
لبلدي.
كتائب
الأقصى
في
لائحة
اتهامات المحكمة الإسرائيلية
للبرغوثي
تهم لم
تشهد المحكمة مثلها في الكثرة والخطورة. من بينها: (انه العقل
المدبر
(لكتائب
شهداء الأقصى.. والدليل الثبوتي لدى المحكمة على ذلك بيان للكتائب
بتاريخ
1/4/2002
فيه: لقد
أثبتت الأحداث الأخيرة (عمليات استشهادية ضد
الإسرائيليين)
أن كتائب
شهداء الأقصى تقاتل وحدها تقريبا ضد العدو.. بقيادة الزعيم
البطل(أبو
القاسم) الاسم الحركي لمروان البرغوثي السائر على خطى أبو عمار)..
ويسخر
البرغوثي
ومحاموه من هذا البيان-المفبرك لافتا إلى ان تنظيم كتائب شهداء
الأقصى
مكون من
خلايا صغيرة محلية تتحرك بصورة شبه ذاتية وبأنه ليس للكتائب أي
قيادة
مركزية.
البرغوثي
الذي لم ينف يوما مشاركته في تنظيمات تعتبرها
إسرائيل
(إرهابية)
ينفي بشدة قيامه أو اشتراكه بأي عملية داخل (اسرائيل).
في
14
يناير
2002
اغتالت
القوات الإسرائيلية (رائد كرمي) رئيس كتائب الأقصى في طولكرم.
ويومها
قال
البرغوثي: ان شارون يجز العشب من تحت أقدامنا.. لقد قتل شارون(الكرمي) الذي كان
بإمكانه أن يضع حدا للعنف. وكان رد الكتائب على اغتيال (الكرمي)
سريعا
وحاسما في
سلسلة عمليات استشهادية بطولية في القدس الغربية.
ويومها
اعتبر
القادة
الصهاينة
انه كان بإمكان البرغوثي منع حصول تلك العملية داخل (حدود)
إسرائيل،
لكنه لم
يفعل.. والبرغوثي كان واضحا جدا: لن تنعم تل أبيب بالأمن إذا
لم
تنعم به
رام الله!. اجتياح القوات الإسرائيلية لمخيمي جنين وبلاطه، اجتاح آخر
قطرة
اعتدال
لدى البرغوثي الذي أعلن: سوف ننتقم في أي مكان، في الأراضي
الفلسطينية
أو في
خارجها.. وفي اليوم التالي (2/3/2002) انفجرت سيارة مفخخة عند
مدخل
حي (مياشيريم)
الذي يقطنه يهود متشددون في القدس والحصاد تسعة قتلى إسرائيليين
وكتائب
الأقصى
أصدرت بيانا تبنت فيه تلك العملية.
هنا
وجدت
إسرائيل ان البرغوثي انتقل في تهديده لإسرائيل من القول إلى الفعل. وفي الخامس من
مارس 2002
أطلقت
احدى
المروحيات صاروخا على سيارة البرغوثي لكنه لم يكن في السيارة التي سقط
فيها
عدد من
حرسه الشخصي الى ان كان الخامس عشر من ابريل حيث نجت وحدة من قوات
النخبة
الإسرائيلي في اعتقال (البرغوثي) الذي كان مختبئا في منزل صديقة زياد أبو
عين
على مقربة
من رام الله.. وقيل يومها ان نجاح العملية يعود إلى خطأ جسيم ارتكبه
(مروان)
باستعماله لهاتفه الخلوي.
كيف
كانت ردود
الفعل الإسرائيلية على اعتقال البرغوثي؟
شارون كاد
يطير من الفرح.. (يوسي بيلين) أعرب عن خشيته من ان
يؤدي
اعتقال
البرغوثي إلى صب الزيت على نار الانتفاضة، مطالبا بضرورة الإسراع في
إطلاق
سراحه..
فيما تمنى الوزير اليميني (ايفي ايتام) أن يساق البرغوثي إلى أحد
الحقول
ويفرغ
الرصاص في رأسه!
عائد
من السجن:
بالإجمال
فرح
غالبية
الإسرائيليين
باعتقال
البرغوثي.. لكن هل حمل هذا الاعتقال بداية نهاية الوهج
السياسي
للبرغوثي؟
محللون إسرائيليون، وفلسطينيون أيضا، يلفتون إلى أنه منذ اعتقال البرغوثي ارتفعت
كثيرا وتيرة الكلام عن خلافته لزعامة (عرفات). و(شمون بيريس)
قالها
بوضوح يوم
28/5/2002: ان مروان البرغوثي هو المرشح الأوفر حظا لخلافة
عرفات)..
و(ايلي
برنافي) سفير إسرائيل السابق لدى فرنسا قال: عاجلا أم آجلا سيصبح
مروان
البرغوثي
رئيس حكومة بلده!
وبمعزل
عن مضامين
مثل هذا الكلام الإسرائيلي:
فالمراقب
لا يحتاج
إلى جهد كبير ليستخلص منه ان هناك نوعا من الاعتراف الضمني
المباشر
من الجانب
الإسرائيلي بأن البرغوثي (عائد) وبأن مقعده محفوظ ومضمون في
قطار
المحطات
القادمة من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، السياسي والعسكري.
في
المقابل،
هناك من
يشكك بمثل ذلك، والمفارقة ان يأتي هذا التشكيك من أوساط المقربين
من
البرغوثي نفسه.. فالمحامي الفرنسي (جميل يونس)، الفلسطيني الأصل، والذي جاء من
باريس
للمشاركة
في الدفاع عنه يقول: ان اعتقال البرغوثي
لم يؤد
إلى زيادة شعبيته
بل
إلى
تراجعها، وبأنه لو جرت انتخابات عامة الآن (اكتوبر 2002) فإنه لن يحظى بنسبة
عالية
من
الأصوات.. وفي المقابل أيضا، ومن داخل سجنه، عاد البرغوثي نفسه وأكد: لست مرشحا
لخلافة عرفات.. وعندما يحل السلام سوف أترك السياسة.
في
أوساط
السلطة
الفلسطينية هناك العديدون من السعداء باعتقال البرغوثي الذي قال عنهم:
غالبية
القيادات الفلسطينية لا تتعاطف مع الانتفاضة خوفا من فقدان امتيازاتهم..
والذين
اتهمهم
بالفساد وباللاديموقراطية وبهشاشة المؤسسات السياسية التي يديرونها.
وكان
سبق ان
شهدت أراضي السلطة الفلسطينية في الفترة ما بين عام 1997 و1999 تظاهرات
احتجاجية
ضد
ممارسات السلطة تخللتها صدامات بين المتظاهرين الفلسطينيين والشرطة
الفلسطينية..
وحيث كانت
أصابع الاتهام تتجه في المجالس الخاصة نحو مروان
البرغوثي.
صرخ
في وجهه
فعاليات
فلسطينية
من داخل السلطة الفلسطينية ترفض
المبالغة
في (تكبير
حجم مشاغبة البرغوثي) مؤكدة انه رغم كل شيء يبقى هذا الرجل من
أوفى
الأوفياء
لياسر عرفات.. والبرغوثي نفسه لطالما كان يكرر: أنا أعتبر نفسي
شريكا
لرئيس
السلطة، لكنني لا أتلقى الأوامر من أحد! وهو على أي حال لم ينكر يوما
حقيقة
وجود
خلافات جذرية بينه وبين (أبو عمار).. وفي شتاء عام 2001 عندما أمر
عرفات
قواته باعتقال مناضلي الجبهة الشعبية، لم يتوان البرغوثي عن الصراخ في
وجه
الختيار:
أنا أرفض بشدة اعتقال هؤلاء الرجال الأبطال المناضلين من أجل حرية
الشعب
الفلسطيني.
لكن
بعد ذلك
بأيام، وفي مقابلة مع إحدى المجلات الفرنسية، عاد البرغوثي وقال: علاقتي بعرفات
جيدة جدا، نلتقي ونتحادث مرتين يوميا على الأقل..
وإذا
أردتم
دليلا على ذلك فأنا مستعد أن أرتب موعدا لكم معه هذا المساء إذا أردتم!.
البرغوثي، الابن
الوفي لحركة (فتح)، هو الأقرب إلى (القاعدة) الفتحاوية من عرفات الرئيس.. وحتى
انتمائه إلى (فتح) ليس انتماء حزبيا حركيا بقدر ما هو انتماء
للقضية
الفلسطينية وللحق الفلسطيني. وهو، وعلى جاري صراحته وبساطة تعابيره، يقول:
أعتبر ان
مهمتي هي حماية (فتح) والسلطة الفلسطينية من التنظيمات الإسلامية.. وفي
الوقت
نفسه
حماية هذه التنظيمات الإسلامية من السلطة الفلسطينية!. وهو في ذلك يبدو
برغماتيا
وواقعيا
حتى العظم، ويقول: علينا أن نبقى كلنا متحدين حتى إقامة دولتنا.
وبعد
ذلك لدينا
كل الوقت الكافي للتفكير في شكل تلك الدولة، وفي انتخابات عامة
تشارك
فيها جميع
الأحزاب والتنظيمات السياسية الفلسطينية!
من
جهته لم
يتوقف
عرفات
يوما عن محاولات شد اللجام لهذا الفارس (البرغوثي) الجامح.. عام 2000 وجه
عرفات
ضربة قاصمة للبرغوثي بتعيين خصمه اللدود (حسين الشيخ) في منصب رئيس اللجنة
العليا
لحركة
(فتح) وهو المنصب الذي كان من (المنطقي والطبيعي) ان يكون للبرغوثي..
كما
أكمل
(عرفات) لاحقا سلسلة من الإجراءات الداخلية المؤدية الى (قصقصة أجنحة)
البرغوثي
قدر الإمكان.. والسؤال الذي يطرحه المحللون بعمق الآن هو: ماذا لو عاد البرغوثي غدا
إلى الساحة السياسية ؟ من سيجد الى جانبه ؟والجواب:
الشارع
الفلسطيني
طبعا، أو
على الأقل فلسطينيي الضفة، إنما سيجد إلى جانبه بصورة خاصة
القاعدة
العريضة
للحركة الوطنية الفلسطينية والتي ساهم غالبية أبنائها في الانتفاضة
الأولى،
لكن ليصار
لاحقا الى استبعادهم عن مؤسسات السلطة الفلسطينية التي جرى
احتكار
توزيع
حصصها على (جماعة تونس) الذين عادوا مع (ياسر عرفات) من المنفى اثر
نشوء
سلطة
الادارة الذاتية عام 1994.
أين
كان
مروان؟
غير
ان بعض
المحللين
يلفتون
إلى مغبة
الوقوع في خطأ الاعتقاد بأن كل معارض لعرفات هو بالضرورة مؤيد
لمروان
البرغوثي.. بل ان هناك قسما لا يستهان به من الفلسطينيين الذين يعتبرون: ان
الجيل
العرفاتي
الجديد ليس أقل سوءا من جيل عرفات القديم.. ومن هؤلاء يتوان عن
انتقاد
البرغوثي نفسه، كالقائد المحلي لكتائب شهداء الأقصى في مخيم الأمعري الذي
قال
لمراسل
صحيفة (تايمز) الأميركية: أين كان مروان البرغوثي عندما اجتاحت
الدبابات
الإسرائيلية مخيمنا وحولته إلى أشلاء وأنقاض ؟، أضاف: لا يستحق الزعامة
من
لا يشارك
أبناء شعبه في المقاومة تحت أي نوع من الظروف.
ماذا
يمكن ان
يحصل
إذا
فاجأت
إسرائيل الجميع بإطلاق سراح مبكر للبرغوتي ؟ وإذا عاد مظفرا إلى الساحة
السياسية
وكان
الخليفة الأول لزعامة (عرفات) التاريخية ؟
هل
تكون
زعامة البرغوثي الترياق المنتظر لأمراض الداخل الفلسطيني ؟
لقد
تمرد
البرفغوثي على سلطة عرفات، فما الذي يمنع من تمرد عرفاتيين أو فلسطينيين آخرين من
التمرد على
سلطة
البرغوثي؟
وما الذي سيجعل البرغوثي ـ أو غيره ـ قادرا على ما عجز عنه عرفات ـ وغيره ـ في
توحيد الصف الفلسطيني وفي إزالة الخلافات والعصبيات
الفلسطينية
ـ
الفلسطينية القائمة ما بين المدن والأرياف والمخيمات
الفلسطينية؟
وماذا
عن
الأطراف السياسية الفلسطينية الأخرى، الإسلامية وغير
الإسلامية
التي
استبعدتها سلطة عرفات من السلطة، والتي أعلن (أبو عمار) ورئيس
حكومته
أبو مازن
الحرب عليها بعد عملية حافلة القدس الاستشهادية الأخيرة؟ هل يعمل
البرغوثي
على إدخال تلك الأطراف الى بيت السلطة ؟ وهل، إذا قبل هو، تقبل هي
بالدخول
وفق
شروطه أم تفرض عليه شروطها؟
وإذا
حصلت
(معجزة) ما وتوافقت جميع
الأطراف
الفلسطينية على حد أدنى من التوحد تحت راية الانتفاضة، فيكف سيكون عندها
شكل
مواجهة
العدو الاسرائيلي المشترك.. ثم ان للانتفاضة هدفا وهو إزالة الاحتلال
الاسرائيلي
وقيام
دولة فلسطينية مستقلة، فأي دول فلسطينية ستكون؟
هنا،
أخيرا،
يصح
كلام
مروان البرغوثي: لنعمل للحصول على إقامة دولتنا أولا، ثم لدينا الوقت
الكافي
بعد ذلك
للتفكير في اختيار شكل ولون ملابسها؟
أورينت برس ـ خاص
بـ(الوطن)
_______________