:: التغطية الاعلامية ::
مقتل "فتح" في غياب ديمقراطيتها
-
بقلم عبد الله عواد
-
كاتب فلسطيني
ان ترى ما سيكون قبل ان يكون لا ينطوي على اية مفاجأة لما يحدث
بعد ذلك، وهكذا منذ اكثر من سنة كان واضحاً ان دمقرطة
حركة فتح حاجة حياتية للحركة،
وبعد وفاة الرئيس الخالد ظهرت هذه الحاجة وبصورة صارخة ولكن
الرؤية القائمة على
حساب خاص، ومصالح شخصية لا يمكن ان تقود لرؤية ابعد من شهر ونصف
الشهر، وهذا حال
صناعة القرار في فتح التي تنتظر ليكون ما يكون وبعدها لا ينفع شيئ، فالذين يعتقدون
بامكانية (خصخصة) فتح للأبد لا يعرفون ان فتح ستذهب
ويذهبون معها، وكانت السطوة
الرمزية لأبو عمار وحدها الضابط لايقاع الحركة، وحين رحل الضابط
فإن هناك حاجة
للبحث عن ضابط جديد، رغم ان هذا الضابط من المفترض كان موجوداً منذ زمن طويل وهو
دمقرطة الحركة، ليس عبرمؤتمر حركي جديد، لأن "منطق
المؤتمر" مثل مرحلة تاريخية
وانتهى وان عبر منطق الديمقراطية الكاملة.
لم تتوقف "الازمة الداخلية" داخل فتح
عن التفاعل منذ سنوات طويلة، واخذت تزداد حدة شيئا
فشيئاً كمنطق طبيعي لتطور
الحياة، غير ان ضغط (الازمة) على القيادة كان يواجه ودائماً
بالبحث عن وسائل للهروب
من مواجهتها، مثل عقد مؤتمر من اربعمائة كادر، او مؤتمر لأعضاء
الاقاليم، وما شابه
ذلك، ولم يتم التوقف ولو للحظة واحدة عند مواجهة الازمة مواجهة
حقيقية، رغم انها لم
تكن بنت قدوم "السلطة" وانما كانت قبل ذلك عبر ما عرف حينها
بتشكيل (لجنة الطوارئ) للبحث في
ازمة فتح وهي التي واجهت الحقيقة بأن الديمقراطية هي الخيار الوحيد، ليست
ديمقراطية النخبة، كما كانت بعض الآراء وانما ديمقراطية
القاعدة ونجحت التجربة
وبالكامل، على صعيد الاقاليم، وايضاً على صعيد المواقع ولكنها
تعطلت مرة واحدة "لحسابات واضحة"
تقول إن استمرار هذه التجربة، سيشكل عنصر ضغط نحو ديمقراطية الحركة
من القاعدة للقمة، دون ادراك حقيقة ان هذه التجربة شكلت
"عنصر تحريض مستمر" للأخذ
بالديمقراطية، بعد ان كشفت تجربة الانتخابات التشريعية الاولى
"ان منطق فرض
المرشحين" على الحركة قبل الشارع سيقود الى بدء حالة من التشقق عبرت عن نفسها بنزول
مرشحين من فتح خارج القائمة، وفازوا في دلالة على ان
منطق "الفرض" لم يعد يصلح ولكن
هذه التجربة لم تكن كافية لرؤية الضوء الأحمر الذي يشير الى
ضرورة التوقف، ومراجعة
الحسابات.
ان "الخطورة" لم تكن عند الانتخابات الرئاسية، التي تم
تجاوزها ولكن، عند
الانتخابات التشريعية .. كما تم التطرق اليها تحت عنوان "ترحيل رئاسي نعم..
تشريعي لا" وذلك عبر القفز عن "دمقرطة فتح" لصالح
الانتخابات التشريعية وبذلك بدا
واضحاً ان هناك اصراراً من القيادات العليا لحركة فتح على ترحيل
الازمة وهي عمليا
توجيه ضربة قاضية لحركة فتح وهذا "عنصر الغضب" الذي استشاط الشارع الفتحاوي ان جاز
التعبير بين مدرسة النظام السياسي العربي التي تؤمن
بالتعيين والفرض ومدرسة النظام
السياسي الديمقراطي التي ترفض التعيين، بين الذين يصرون على
التمسك بالشرعية
التاريخية فقط وبين الشرعية الديمقراطية التي وحدها تملك الحق بابقاء الشرعية
التاريخية ديمقراطياً، او غير ذلك .. فالقلق لم يكن عند
الانتخابات الرئاسية وانما
عند التشريعية، وهذا هو السبب الاساس الذي عصف بحركة "فتح"
وجعلها تتملل وتقلق
وتعبر عن غضبها بأشكال عديدة دون ادراك حقيقة ان الزمن يتغير
وسريعاً واذا كانت
الانتخابات الرئاسية قد سقطت مرة واحدة بفعل "الموت المفاجئ للرئيس" وبذلك تم
استيعاب منطق "الفرض" عبر الشرعية التاريخية، فإن عدم
الاستيعاب كان في
الاصرار على
ترحيل معالجة ازمة فتح لما بعد الانتخابات التشريعية وعبرالمنطق
القديم "المؤتمر
الحركي" الذي انتهى ولم يعد يصلح.
واكاد اجزم بأن هذا هو السبب الذي دفع الاخ
مروان البرغوثي للترشح بعد ان اعلن دعمه في البداية للأخ
ابو مازن، ولكن، النقطة،
التي يتحدث بها كلا الطرفين تكاد تلتقي عند البحث عن رمزية
جديدة تخلف ابو عمار
وهذا خارج المنطق ايضاً، فالحقبة التاريخية التي مثلها ابو عمار
انتهت مع رحيله،
لصالح حقبة جديدة تقوم على المؤسسات وليس على الاشخاص، المؤسسات الديمقراطية وليس
المؤسسات "التي اصابها التكلس" منذ زمن طويل ووراثة ابو
عمار بالسطوة والاسطورة،
والرمزية غير ممكنة وبالمطلق، لسبب بسيط، وهو ان عهد الشخصيات
الكاريزمية اخذ ينتهي
من التاريخ والمجتمعات لصالح المؤسسات، التي وحدها القادرة على
ضبط ايقاع التجمعات
سواء أكانت حزبية ام نظاماً سياسياً وما تبقى من (شخصيات
كاريزمية) هو ذيول مرحلة
سابقة.
ان نقطة ضعف الاخ مروان في طرحه، هي في ابتعاده عن
الحديث عن "دمقرطة
حركة فتح" وعن "مأسسة حركة فتح" وهما النقطتان الجوهريتان اللتان تحركان "الاتباع"
الفتحاويين الضائعين او التائهين وبذلك فإن البحث عن
رمزية تخلف ابو عمار هو بحث
بلا جدوى، فالتراث الذي خلفه ابو عمار من مواقف وسياسات واهداف
لا يمكن حمايته الا
عبر مؤسسات ديمقراطية لحركة فتح وهي وحدها القادرة على حماية
الحركة وبقائها
واستمرارها وزيادة قوتها والعكس صحيح فهل يتم استيعاب الازمة ام ان حركة فتح ستغرق
في تشققات وانقسامات؟!
يعنيني بالحركة وحدتها واستمرارها ولذلك، اعتقد بوجود
حاجة اليوم قبل الغد لاعلان موقف واضح من دمقرطة حركة
ومأسسة الحركة وانهاء ظاهرة
الاتباع لصالح الاعضاء لصالح معرفة كل فتحاوي اين موقعه بالضبط،
بدلاً من هذه
الهلامية القاتلة والمدمرة.
لا اعرف بالضبط ما هي الدوافع الحقيقية التي دفعت
الاخ مروان لتغيير موقفه من عدم الترشيح الى الترشيح
فاذا كانت المسألة دمقرطة
الحركة فإن "الوقت" كان غير مناسب لصالح الضغط على "النفس"
قليلاً لتمرير
الانتخابات الرئاسية، والمحافظة على وحدة "الحركة" ولو بالاكراه اما غير ذلك، فيظل
غير ذلك.
ان هناك حاجة غير قابلة للنقاش، لتأجيل تفجير الوضع داخل
حركة فتح لما بعد
الانتخابات الرئاسية، حفاظاً على وحدة الحركة، فالترشيح "المستقل" هو نوع من
التعاطي مع "الاتباع" وليس الاعضاء، هكذا يقول منطق
الاشياء.
ان الحاجة لاحداث
ثورة ديمقراطية داخل حركة فتح لم تعد قابلة للتأجيل
كثيراً، ولكن، اختيار الوقت هو
مهم عبر تمرير الانتخابات الرئاسية، وبعدها ليتم نسف كل
المؤسسات القديمة، والتي
اصابها "التكلس" في حركة فتح واصبحت العلاقة بين القيادة علاقة
اشخاص واتباع وليس
علاقة تحكمها المؤسسات.
5/12/ 2004
_______________