قسام البرغوثي   من الصحافةالمحلية والعربية والدولية والعبرية 

 

:: التغطية الاعلامية ::

البطل

  • بقلم مريد البرغوثي

  • شاعر فلسطيني مقيم في مصر

 

كلمة "بطل" في اللغة العربية وفي كل اللغات فيما أتكهن وأظن كلمة ملتبسة وخطيرة، ذلك أن لها قدرة على استثناء المستمع ووضعه فوراً وبلا مقدمات خارج البطولة. نسمع عن البطل أو نرى أفعاله أو نراه، فنظن أن البطولة موهبة تخصه وحده، ولا تخصنا نحن البشر العاديين، ونطمئن أنفسنا بأنه خلق للبطولة بينما خلقنا نحن لأوصافنا الأخرى، كأننا لا يمكن أن نصبح مثله فنعفى أنفسنا من البطولة، البطل خارجي،  مكتمل لأنه لا مثيل له، واقف "هناك"، بينما نحن "هنا" في "مطرحنا" الصغير الذي لم تؤهلنا الدنيا لسواه، البطل له مقومات تخصه وحده، وأن احاق به الخطر، أو العذاب أو الموت فهذا تجزء من مقوماته، أما نحن الذين نشبه بعضنا البعض في الأسواق والطرقات والبيوت والمكاتب، فلا نستطيع ان نعيش مثله، ولا نستطيع أن نتحمل مثله، ولا نستطيع ان نموت مثله. هكذا أو بهذا المعنى يصبح حديثنا عن البطل في مجتمعاتنا هو اعتذارنا عن لا بطولاتنا نحن، هكذا وبهذا المعنى نتحول الى متفرجين على البطل، كأنه لوحة أو أيقونة أو نجم بعيد. هكذا وبهذا المعنى نخلفه في الأعالي وقد نكتب حوله القصائد والمقالات، ولا نفعل بذلك إلا تكريس أمرين، عزلة البطل وخيبة الجميع آخر ما يحتاجه مروان البرغوثي، وآخر ما يسره أن نسميه بطلاً لنعفي أنفسنا من البطولة، فمروان نفسه تعديل مهم لمعنى البطل، إنه يشبهنا، انه منا وفينا وهو قابل للتكرار. فمروان هو أسلوب الأوطان في إقناعنا بأننا أيضا يمكن أن نكون ابطالاً اليوم، وليس غداً جميعاً وليس واحداً منا فقط، لغته، ملابسه، مشيته، نظرة عينيه، مواقفه وآراؤه تشبه أولئك الذين يتحد أولئك الذين يتحدث باسمهم وعنهم، تشبههم تماما ولذلك هو بطل يصنع منا أبطالا بلا عناء، بطل يقنع الجميع بأن بوسعهم أن يكونوا أبطالا، هكذا هم، وأن يكونوا نافعين للوطن، هكذا مثل ذوي السيرة البسيطة، يذهبون إلى المدرسة فالجامعة، يتظاهرون مثلنا جميعا، يسجنون ويطردون ويبعدون عن أماكنهم الأليفة إلى الغربة في الزنازين أو المنافي، يكملون دراستهم داخل المعتقلات، ويستأنفون الحياة، يتزوجون من قريباتهم أو زميلاتهم، يرزقون بثلاثة أطفال أو أربعة، يسمون أسمهم البكر على أسم الجد أو على أسم بطل شعبي، في حالة مروان سمّى ابنه البكر "القسّام" على اسم عز الدين القسّام (ذلك الشيخ الأكثر إجلالاً في تاريخ فلسطين، الذي قدم من قرية جبلية قرب اللاذقية في سوريا وكافح ضد الانتداب الإنجليزي والهجرة الصهيونية كفاحا مسلحا، وأستشهد في نوفمبر 1935ومن جنازته انطلقت "الثورة الفلسطينية الكبرى التي دامت من 1936-1939 وشهدت أطول إضراب في التاريخ دام ستة أشهر متصلة)، ولزوجته فدوى، أم القسّام، ولأم القسّام تلك السيّدة العظيمة التي بهرت الملايين وهي تناشد الدول العربية ألا تستقبل زوجها مروان فيما لو ارتكبت إسرائيل جريمة إبعاده عن وطنه، نعم، هو من ذوي السيرة البسيطة الذين يكلفون بمهام موقع سياسي نضالي، فيقومون بمهامهم بيدين نظيفتين وقلب نظيف وعقل نظيف، ويتحمل مقدار ما تمكنه الطبيعة البشرية من التحمل في سبيل ما يؤمن به، ولا يرتجف من دفع الثمن، قد يخاف قليلا، وقد يخطئ قليلا، لكنه يعرف أن ثمن الكرامة ليس أثمن من الكرامة، فنراه نحن من بعيد فإذا هو بلا خوف ولا حيرة ولا خطأ، وإذا هو بطلنا نحن، وبعمله معنا يجعلنا أبطالا هكذا، فبدلا من أن يكون فرداً يستثنينا من البطولة، يصبح شبيهاً يدرجنا في البطولة.

 

كثيرون ممن قابلتهم في الأشهر الأخيرة كرروا لي هذه العبارة عدة مرات: نحس به بقوة، نشعر أنه مثلنا، أنه  يشبه أولئك الشباب الذين نراهم بالآلاف في المسيرات والجنازات والمظاهرات، إننا نصدفه.

 مروان ابن الانتفاضة السابقة 1987-1993 طردته سلطات الاحتلال الى تونس بعد أن سجنته خمس سنوات كاملة ليعود إلى فلسطين بعد اتفاقيات أوسلو التي كان يؤديها وكنت أعارضها، وصدّق في السنوات الأولى بعد أوسلو وعود معسكر"السلام الإسرائيلي"، وعلّق بعض الآمال على اتخاذ "شيء ما" في ظل ميزان القوى المختل بيننا وبين إسرائيل.لكن مروان كان من أوائل الذين رأوا الأشجار تتحرك وخلفها العدو يريد التهام الوطن كله، ويريد أخذ السلام دون أن يعطينا الأرض، وقادته نزاهته الشخصية إلى استخلاص نتائج جديدة، والى الارتقاء بمواقفه مهتديا بتحليلات أكثر دقة، والتقط من هواء اللحظة التاريخية الراهنة أن الاستقلال بحاجة إلى ثورة شعبية شاملة ضد الغزاة، وان الانتفاضة الفلسطينية ينبغي ألا تتوقف قبل كسر الاحتلال.,


 كان عباس محمود العقاد يفرّق بين الذكي والعاقل، بأن الذكي قد يستخدم ذكاءه في اقتراف جريمة متقنة، أما العاقل فلا يستخدم ذكاءه ألا فيما ينفع وفيما هو خير، شارون ذكي أخرق يتقن الجريمة وموهوب بغبار الضرر.وباتهامه للنضال الفلسطيني بالإرهاب وتسميته مناضلينا إرهابيين، ينسى أن سجين الانتفاضة السابقة يصبح قائد الانتفاضة اللاحقة، وان شهداء اليوم ينجبون أبطال الغد، وانه تحت ركام بيوتنا في جنين ونابلس لا يدفن مستقبلنا، بل مستقبله ومستقبل إسرائيل.


 اليوم، وأنا أتابع تهمة الإرهاب تتوالى ضد مروان، طالب الدراسات العليا في العلوم السياسية(هو مسجل لدرجة الدكتوراه في جامعة القاهرة) والكادر السياسي في حركة فتح، والقائد الميداني للانتفاضة الشعبية في فلسطين، والوالد والزوج والصديق وخفيف الظل والمثقف الحقيقي في حياته اليومية، والمحبّ لمعاونيه ومن يعملون معه، بكل هذا الفيض الإنساني، وعافية التفكير النقدي، وصاحب القدرة على الإقناع، والمتمتع بالمصداقية بين ملايين عارفيه، أشعر مرة أخرى أن السياسة لا تدور حول "العدل"، بل حول القوة، وأن المظلوم لا رواية له، إلا إذا حصل على أسباب القوة، وأدرك إن مروان واحد من القادة الذين اهتدوا إلى منابع القوة الفلسطينية المتمثلة في المجموع الفلسطني، وفي الحاضنة الشعبية العربية والإسلامية والمسيحية التي تضع فلسطين موضع القلب، وعندما التقيته قبل أسبوعين في رام الله على عشاء ممتد تحدثنا فيه طويلا سمحت لنفسي أن أنقل من بين الكثير الذي تحدثنا فيه عن قوله لي أن المظاهرات الشعبية العربية التي انطلقت من أجل فلسطين هي قوة مضافة للشعب الصامد في عذابه وفي تحمله وفي آماله. هذه المظاهرات زاد يتزوّد به من حرمهم الاحتلال والحصار من لقمة الخبز وكأس الماء، ولكني لن أنسى ما قاله زياد ثالثنا في الجلسة" ليت أهلنا العرب يعلمون أنه لو تمت زراعة فدانين إضافيين في بلد عربيّ فهذا قوة لفلسطين"، نحن لا نريد من الأنظمة العربية أن تحارب من أجلنا ولا أن تحقق إستقلالنا، نريد منهم أن يفعلوا ما هو صالح لبلادهم حقا، وسيكون ذلك صالحا لنا، مروان البرغوثي قائد نظيف، يضع رأسه على غفوة الليل يفكر في ابنه العائد من رمي الحجارة ضد حواجز الجنود، وامرأته المحامية التي تحرس موقد العائلة والبلاد بالصبر والفعل والتحمل، وكوادره الذين كلما نقصوا واحدا بالموت ازدادوا أثنين بالشهوة للحرية، واليوم يمنع المحققون الإسرائيليون مروان البرغوثي من النوم، كما صرح محاميه جواد بولص، لكن مروان لن يذيق إسرائيل النوم لسنوات طويلة.


 رأيته في رام الله، أثناء زيارة أعضاء البرلمان العالمي للكتاب، وأدركت أن غيابه عن نشاطاتنا مع الوفد، راجع لحذره الأمني، وهو القارئ الجيد والمتابع للكتابات السياسية والأدبية في العالم العربي، لكنه تابع مواقف تصريحات راسل بانكس وولى شوينكا وبراتين براتبنباخ والعظيم ساراماجو من مكمنه، وتحدث طويلا عن ضرورة أن تعود فلسطين لتصبح الملتقى الأخلاقي لأصحاب الضمير في العالم كله، وربما كانت مظاهرات التأييد للنضال الفلسطيني باستمرارها الآن في كل عاصمة وكل جامعة، من الأسباب التي تضيف قوة عظيمة إلى قوة مروان في أسره المؤقت وفي صموده العظيم إلى قوة الجلادين الصهاينة، وها هو يرفض التعاون مع التحقيق، فهو قرر لهم أنه ليس من رعايا دولة إسرائيل كي تحاكمه، بل هو ضحية عدوان على الشعب الفلسطيني كله وأنه جزء من نضال هذا الشعب، وأضاف لهم:"لن تأخذوا مني شيئا لو حققتم معي عشرين سنة، أكثر مما قلته طوال 18شهرا عبر شاشات التلفزيون والصحف."


مروان البرغوثي تعديل جميل على معنى البطولة، أنه مثلنا، وهو منا له السلام وله الإحترام.
ثم كلمة أخيرة: لا تتفرجوا على البطل كونوا مثله
.
 
 

______________

من نحن اتصل بنا مقالات وبيانات نشاطات الحملة دفتر الزوار  مواقع مهمة
صوت الأحرارملف القدس ملف الاستيطان ملف الجدار أغاني وطنية وثائق ملف اللاجئين