قسام البرغوثي   من الصحافةالمحلية والعربية والدولية والعبرية 

 

:: التغطية الاعلامية ::

  

اغتيال سياسي

  • بقلم جوزيف سماحة

  • السفير اللبنانية

 

إن لم يكن مر وان البرغوثي <<مقاتلاً من أجل الحرية>> فلا معنى لهذه العبارة. ولقد شاءت الصدف أن تصدر الأحكام الإسرائيلية في حقه في وقت تعجز الإدانات الدولية عن كبح الاندفاعة العدوانية في رفح وما تحصده من أرواح بريئة. ربما كان ذلك الضابط المنتقل بين مجازر قانا وغزة هو هذا <<المقاتل>>.
إن التهمة الإسرائيلية الفعلية الموجهة إلى البرغوثي هي أنه ممثل أصيل للوطنية الفلسطينية الواقعية. إن هذه الوطنية هي المرفوضة من جانب إسرائيل الحالية التي يلمح وزير <<العدل>> فيها إلى احتمال محاكمة ياسر عرفات وذلك بعد أن صدر الحكم عليه بالتزام المقاطعة.


إن القضاء الذي أجاز الهدم في رفح هو الذي حكم البرغوثي بالإعدام الرمزي السياسي. والقصد من الخطوة الثانية تقديم براءة قانونية للزعم القائل بأن <<رجل السلام>> أرييل شارون لا يملك محاوراً أو شريكاً. ولعل التزام البرغوثي المعروف بسقف <<اتفاق أوسلو>> يعزز الميل إلى نزع هاتين الصفتين عنه من جانب فريق إسرائيلي حاكم ينظر إلى الاتفاق المذكور وكأنه <<مؤامرة>> قد تنقذ الوطنية الفلسطينية من الإبادة.
ليس سراً أن المسؤول الفتحاوي كان من أنصار تعديل موازين القوى ما أمكن من أجل جعل التسوية ممكنة. ولقد قررت المحكمة <<تجريم>> هذه المحاولة التي تعني، في ما تعني، إخضاع المقاومة لمنطق سياسي يسعى إلى <<سلام شبه عادل>>. لم يحب اليمين الإسرائيلي، مرة، تمتع البرغوثي بشعبية مؤكدة داخل تنظيمه وشعبه، وتحوّله إلى شخصية عامة، ورفضه أي اقتتال داخلي، وتغليبه الوحدة الوطنية، وتمتعه بتقدير الناشطين في فصائل أخرى. إن موقعه على مفصل العلاقة بين المؤسسة الفتحاوية والشبيبة الفتحاوية والتنظيمات الراديكالية هو، بالضبط، الموقع المستهدف.


وربما يخطر في بال إسرائيليين، على أقصى اليمين، تصفية الحساب مع إسرائيليين آخرين يعتبرون البرغوثي <<خصماً صالحاً>> لعقد تسوية لأنه يوافق عليها أولاً، ولأنه يتمتع بقدر من الشرعية لتمريرها، ولأنه، بهذا المعنى، يكرّر على نحو مصغر صورة ياسر عرفات.


إن هذا السلوك حيال أحد قادة <<فتح>> هو الوجه الآخر لسياسة
التصفية الجسدية لقادة <<حماس>> و<<الجهاد>> و<<كتائب الأقصى>>. تستخف هذه السياسة بالرمزية لتمارس القتل الجسدي الذي لا يفرق بين قائد روحي ومسؤول عملاني. فالاستئصال ليس مادياً فحسب. وهو، عندما يكون كذلك، يهدف إلى قطع الطريق والحؤول دون أن يلاقي الراديكاليون الفلسطينيون الوطنية الواقعية في منتصف الطريق، ودون أن تترسخ عندهم فكرة المناورة، والتكتيك، وإعلان الهدنة أو وقف النار. فهذه كلها، في العرف الإسرائيلي، مداخل إلى تقبّل لفكرة التسوية المرحلية بشروط الحد الأدنى المقبولة في حين أن الفرصة سانحة لتسوية مرحلية من نوع آخر.


إن مراجعة سريعة لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة تظهر أن هذين هما الخطان الوحيدان اللذان أنجبتهما. لم يكن في الماضي، ولا وجود اليوم، لأي خط ثالث. لقد مثل الائتلاف الفتحاوي، بتنويعاته وتحولاته، خط الوطنية الواقعية، وتعايش، باستمرار، مع تنظيمات أكثر راديكالية، لفظاً على الأقل، تحت مسميات مختلفة قومية أو ماركسية أو دينية.


لم يبرز، في العقود الأخيرة، خائن فلسطيني واحد سواء كان مثقفاً أو سياسياً (العملاء موجودون دائماً ولكن كاختراق أمني). أكثر من ذلك لا وجود لفلسطيني واحد ولا لعربي واحد لا يعتبر أرض فلسطين التاريخية أرضاً عربية. وكل تمايز إنما هو تمايز يبدأ بعد التسليم بهذه الحقيقة. فهناك من يقول <<إن فلسطين أرضي ولكني أقبل بدولة فوق قسم منها وفي ظل سلام تعاقدي>> (حار أو بارد)، وهناك من يقول <<إن فلسطين أرضي ولا بد في النهاية من استعادتها كاملة>>. أي أن سنوات مديدة من القمع، والاضطهاد، والتبديد، والحروب، والتضييق، والانهيارات العربية، وخيانات أصدقاء، وسنوات مديدة من التهجير، والتهديم، والقتل، والتجريف، والحصار، إلخ... إن هذه السنوات المديدة لم تغيّر شيئاً في هذه الحقيقة الناصعة. ويمكن القول، ربما، إن هذه حالة أكثر من نادرة في تاريخ الحركات التحررية في العالم كان يمكنها أن تصيب باليأس أي خصم مهما كان عنيداً، ومتصلباً، وشاعراً بالقوة، ومدعوماً.


إن الاندفاعات الإسرائيلية العدوانية المتتالية إنما تريد تغيير هذه الحقيقة، في حالة شارون، أو تطويع الوطنية الواقعية، في حالة غيره.


ولا مبالغة في القول إن الوعي الشاروني لا يستوعب وجود <<الفلسطيني الجيد>> لأنه يعجز (أو يرفض) عن إدراك استحالة تحول الفلسطيني إلى صهيوني.


لا مكان، والحالة هذه، لا لمروان البرغوثي ولا لغيره. ومن لا يُغتال جسدياً يُغتال سياسياً.

 

_______________

من نحن اتصل بنا مقالات وبيانات نشاطات الحملة دفتر الزوار  مواقع مهمة
صوت الأحرارملف القدس ملف الاستيطان ملف الجدار أغاني وطنية وثائق ملف اللاجئين