:: التغطية الاعلامية ::
رئيس" خلف
القضبان
-
عبد الله السويجي
-
كاتب من الإمارات العربية
وأخيرا، صدقت التوقعات، ورشح مروان البرغوثي نفسه لكرسي الرئاسة
الفلسطينية، وأثار ضجة بدأت ولا يعلم أحد إلى ماذا ستفضي، وأين ستنتهي. لكن قراءة
متأنية للسيناريوهات القادمة، قد تعطينا بعض مفاتيج الإبحار في طبيعتها. فمروان
البرغوثي ليس مجرد سجين، وتتعامل معه سلطات الاحتلال انطلاقا من هذا المفهوم، كما
انه ليس مجرد سياسي، بل له امتداد شعبي كبير، وظهوره، وإن من خلف القضبان، وضع بعض
التخوفات جانبا بشأن القضية الفلسطينية والتمسك بالثوابت، وإن لم ينجح بكرسي
الرئاسة.
هناك معطيات عديدة تجعل الانتخابات الفلسطينية القادمة في دائرة
الحرج ومنها:
* أولاً: إعلان كل من حركة حماس، وتنظيم الجهاد، والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين، عدم خوضهم للانتخابات، وعدم المشاركة، أي إن هذه الجهات
الثلاث، أعطت تعليمات لكوادرها بعدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع، مما يضع مشروعية
الانتخاب على المحك.
* ثانياً: ترشيح البرغوثي لنفسه أعاد خلط الأوراق، وكشف عن
حقائق كثيرة، وإن لم تعلن، اهمها، أن نتيجة المفاوضات معه لم تعلن بوضوح، أو ان
الالتزامات التي طالب بها لم يأخذ بها.
قبل أن يرحل الرئيس ياسر عرفات، رحمه الله، كان واقع حال
الفلسطينيين يقول عندما يظهر مروان البرغوثي فإنه سيكون خليفة عرفات. وعندما تم
أسره، قال القوالون: لقد تم أسره للحفاظ عليه، وإعداده ليكون رئيس السلطة
المستقبلي. ولم يصدق كثيرون، أنه عندما حكمت الدولة العبرية عليه بأكثر من مائة عام
بالسجن، من أنه سيبقى طيلة هذه المدة خلف القضبان. وإن التصريحات الشارونية بأن
مروان سيخوض الانتخابات من السجن، لا تعني شيئا، فالانتخابات الفلسطينية ليست
انتخابات أمريكية، في حاجة إلى حملات انتخابية، وإطلاق شعارات ومناظرات، ورحلات في
الطائرات، واستجداء أصوات، إن الانتخابات الفلسطينية مبنية على القواعد الجماهيرية،
بحيث تلعب التنظيمات دورا قليلا، وها هو مروان، سيكسر القاعدة، وسيكون الغائب
الحاضر، خاصة وإن زوجته تسانده بكل قوتها، ويكفي أن تخرج بين فترة وأخرى لتقرأ
بيانا منه حتى تخرج مظاهرات في الشوارع.. بل وأكثر من ذلك، فمن شاهد إعلان فدوى
البرغوثي لبيان ترشيح زوجها، لا بد وأنه اقتنص وجود أعضاء من المجلس الثوري لحركة
فتح، يحيطون بها، وكوادر متأهبة للمناسبة، مما يعني، أن مروان لا يزال يقود الكوادر
الذين يؤمنون بدربه الصعب، وإنهم سيقومون بتنظيم حملته الانتخابية، بل إن غيابه قد
يكون لصالحه، وقد يعطيه بعدا نضاليا ووطنيا.. ولهذا فإن المنافسة ستكون بين
معسكرين.
المعسكر الأول ويمثله محمود عباس (أبو مازن)، وهو الداعي لتجريد
الفصائل من أسلحتها، والبدء بمفاوضات مع الصهاينة، وترتيب البيت الفلسطيني على أساس
سياسي، وتوفير حياة مدنية للفلسطينيين. ومن جانب آخر، ينظر إلى محمود عباس على أنه
رجل أمريكا في فلسطين، ورجل ترضى عنه الدولة العبرية، وتسمع كلمته بجدية. لكنه لا
يتمتع بتأييد شعبي وإن أظهرت حركة فتح بأنها ملتفة حوله، لكن ترشيح البرغوثي، أحدث
تصدعا في هذا الالتفاف.
أما المعسكر الثاني فيمثله مروان البرغوثي، أمين سر حركة فتح في
الضفة الغربية، التي تؤثر على كتائب شهداء الأقصى، وله قاعدة شعبية كبيرة، فتاريخه
النضالي في مقارعة الاحتلال لا تشوبه شائبة، ويتمسك بالانتفاضة طريقا لتحقيق الدولة
الفلسطينية، وهو خطيب مفوه يجيد اللغتين الانجليزية والعبرية، إضافة إلى العربية،
ويبدو أنه بسيط وشعبي ومتواضع، والأكثر من ذلك، يتمتع باحترام بقية الفصائل، بما
فيها الإسلامية منها، وقد تدخل في أكثر من مناسبة كوسيط بين السلطة والحركات
الإسلامية، ونجح في مهمته.
البرغوثي وعباس متفقان على وجود دولتين فلسطينية و”إسرائيلية”،
ومتفقان على إعادة تنظيم التواجد المسلح للفصائل الفلسطينية في الحياة العامة.
لكنهما يختلفان في موضوع الانتفاضة، رغم أن البرغوثي لا يرفض أسلوب المفاوضات أيضا،
ويقال ان له أصدقاء “إسرائيليين” متعاطفين مع القضية الفلسطينية، أي له امتداد أيضا
في المجتمع “الإسرائيلي”.
هناك أكثر من إشكالية تواجه الواقع الفلسطيني، مثلما تواجه
الرئيس الفائز في الانتخابات، ومن بينها:
* أولاً: إن ترشيح البرغوثي لا شك أحدث شرخا في حركة فتح،
وستتضح في الأيام القليلة القادمة، أسماء القياديين الذين يؤيدونه، وهذا الشرخ
سيؤثر سلبا على كلا الشخصيتين في حالة الفوز أو الهزيمة. وسيجد مؤيدو كل طرف بعد
هزيمته في واقع لا يحسدون عليه، ففي الساحة الفلسطينية، كما في الساحات العربية، لا
توجد هناك روح رياضية في الانتخابات، فمن لم ينتخبني يكون عدوي، وبالتالي يجب في
حالة الفوز اقصاء الآخر عن السلطة، وسيتعرض مؤيدو البرغوثي إلى عملية إقصاء، كما
ستتعرض هيكلية السلطة إلى إعادة ترتيب في حال فوز البرغوثي.
* ثانياً: في ظل انسحاب حركة حماس وتنظيم الجهاد والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين، سيكون الفائز بالرئاسة في وضع حرج، فهو لم يكسب أصواتا
كثيرة، وبالتالي فإن شرعيته الانتخابية ستكون على المحك، لأن عدم المشاركة في
الانتخابات هو رفض لها، وبالتالي رفض للفائز. وسيشكك المهزوم بنتائج الانتخابات،
وستتكرر تجربة أوكرانيا ولكن بشكل أصعب وأقسى.
* ثالثاً: إن هزيمة مروان البرغوثي، تعني هزيمة تيار الانتفاضة،
وهو أمر غير مقبول، عندئذ، قد يظهر من يقلب الطاولة، فتختلط الأوراق.
* رابعاً: إن هزيمة محمود عباس تعني هزيمة العناصر التقليدية
لحركة فتح، وبالتالي هزيمة قيادات مؤسسات السلطة الفلسطينية. ولا يعرف أحد كيف
ستكون ردة فعل هؤلاء، خاصة أنهم يتحكمون بالامكانات المادية.
* خامساً: إن فوز البرغوثي وعدم تمكنه من الخروج من السجن،
سيقود إلى تشكيل قيادة وحدة وطنية، وهو ما تطالب به حماس وتنظيم الجهاد، وكل
الفصائل، وربما اتفقت هذه الجهات مسبقا مع البرغوثي في حال استمرار أسره أو خروجه.
* سادساً: لقد قدمت الدولة العبرية تجربة صريحة في كيفية
تعاملها القادم مع البرغوثي، من خلال إطلاق سراح الشيخ حسن يوسف، أحد قياديي حركة
حماس، وقد ذهل كثيرون لهذا الإفراج، وكأن حركة حماس لم تعد في قائمة الإرهاب، ومن
أطلق الشيخ حسن يوسف، بإمكانه ان يطلق سراح البرغوثي، خاصة وأنه يؤمن بوجود دولتين.
إن الوضع مفتوح على كل الاحتمالات، ولكن اليقين الأكيد، هو أن
مروان البرغوثي قد قلب الطاولة، وفاجأ الجميع، ولم يثمر البيان الذي نقلته السلطة
عن الأسرى الفلسطينيين بأنهم يؤيدون محمود عباس، إلا عن ترشيح أحدهم للرئاسة.
5/12/2004
_______________