قسام البرغوثي   من الصحافةالمحلية والعربية والدولية والعبرية 

 

:: التغطية الاعلامية ::

مروان البرغوثي الآن...

  بقلم: عيسى قراقع

عضو المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني

 

هناك علاقة بين الموت والحرية، والمشكلة تبقى في القرار...وفي الزمن الفلسطيني يتصالح الموتُ مع الحرية، يصبحان شقيقين حيّين أو جثتين، سيّان...كما هو في بيت حانون و زنازين عزل سجن بئر السبع.
لم يعد هناك فرق بين غيوم الخريف-الاسم العسكري للحملة الإسرائيلية الأخيرة- وبين غيوم سجن النقب الصحراوي حيثما تتشابه حجارة الصحراء مع حبّات الثلج ويتناوبان في تنظيم دقّات قلب الأسير الخالي من المكان.
مروان البرغوثي يلتقي جلعاد شاليت، ليس في السجن ولا صفقة التبادل بل في غرفة زيارة مفتوحة على القديم القادم والحاضر الذاهب إلى المستقبل، وهناك يفتح قميصه البني عن ليلٍ طويلٍ وأسماءٍ وصدى...عن مدنٍ تشبه الزنازين وهذيانٍ ملغومٍ بالبشر وثلاثين عاماً من المطر...


لقد أفرغ مروان الوقت الحديدي...شاهداً على عودة السئوال إلى الحوار وعلى تحوير خيال السجين إلى طيرٍ يتحرر من شرك الصياد...يتفقّد السماء والناس وأعالي الشجر...


مروان يسأل شاليت: من أعادك إليَّ لتذكرني بنومي وجوعي وملحي وحاجاتي المصادرة وطعم الغاز؟...كنت تطلق النار كي أختفي من حياتك، وتستقرّ في نشوة الاسطورة وطرب البندقية...وكنت تبني حول جسدي سجوناً كي أنسى مهنة الحرية وقول الشعر وأنسى رام الله...وكنت تشتهيني غائباً بلا تاريخٍ وهوية...
ها أنت شريكي، جلبتك أمطار الصيف تاركاً خلفك تل أبيب تعيد ترتيب البحر على مقاس جنازتي، ولم تتصوّر أبداً أنهم أرسلوك إليَّ، إلى صوت المفاتيح ولون الحديد وحراك التوابيت لتشرب من قهوتي...
لا أعتقد أنك ضللت الطريق أو كَذَبَت عليك الخُرافة، لأنك أخيراً ستأتي، تصغي إلى السجّان فيك لتسمعني جيداً...مصلوباً على حرير الشمس منذ أن صارت الأرض تشبهني ولا تشبهك، ومنذ أن أكمل الأسير سعيد العتبة ثلاثين عاماً في السجن دون أن يستأذنك، ومنذ أن ولدت عائشة الهودلي على شبّاك سجن تلموند دون تصريحٍ من إدارة سجونك، ومنذ أن صار الحلم عسلنا الباقي في ظلام المؤبّد عندما حرمناك من سكّر موتنا ومواعيدنا مع أحلامنا المؤجّلة...
من أعادك إلى النص الذي اجتاحته المجنزرات وقذائف الموت والجدران والمستوطنات، مصرّاً أن تحضرني من الغياب لتسمع صوتك الذي تماهى طويلاً في الحريق والدخان؟...


سنتحرر معاً، قال مروان، سأخلع القيود وتخلع بزّتك العسكرية...سأخرج من جثتي وتخرج من وهم القاتل الذي وجد قتيله تحت الوسادة وفي الكابوس، ليس وهماً أن ينتصر الوجود الإنساني على التفوّق العسكري، وأن يفشل الغريب في التدرّب على إيقاعات البطولة...


في المدى المفتوح كان جلعاد شاليت يسير إلى آثاره الجديدة: عرفت آثاري من حياتك، قال لمروان، وتعرّفت على غرفتك من دمك وكأس مائك وسيجارتك، كأني كنت هنا منذ الأزل، مسجوناً بين آلامك وأغانيك الفضيّة...مكتظاً بازدحام الضوء في عينيك وبلاغة التحايل على الواقع بالمجازات التي تطيع الغموض وتتمرّد على الليل...
مروان البرغوثي الآن...الرجل الكحليّ، العاشق للفجر وللأزرق، المؤلّف من أكثر من عشرة آلاف أسيرٍ فلسطينيّ وثمانيةٍ وعشرين سجناً ومعسكراً ومئات الزنازين...المُشيِّع لآلاف الشهداء والمرضى والأطفال والنساء...الصاحي لوحدة الجسد وتركيز الألم...المضاء بمتعة التعرّف على خيول الحرب والفقراء وعدالة المعذبين...يحدّق في الحاضر كي يرى العاصفة، ويمدح الرياح لأنها أزالت الغموض عن الأشباح وخريف الصمت...
هو لا يحتاج إلى مؤرّخين ومؤلفين كي يعرفوا أن عبدالقادر قد سقط تحت نخلة عسقلان، وأن عبدالصمد قد توارى في المسكوبية...


هو لا يحتاج إلى محلّلين لكي يكتشفوا أن سرديّة الظلام قد أخفت رجالاً منذ ربع قرنٍ بين الغيوم، يرفعون سماء سجن نفحة بأصواتهم ويغازلون النجوم...


هو المتفرّغ للوداع وللقاء، للفرح وللبكاء، لا يحلق ذقنه بموس السجّان كي يبقى طافحاً بالبرق الأحمر والقيامة...يعرف كيف يحيا الإنسان وحيداً ويمدح حريته في أغنيةٍ جماعية...يقشط الجمال عن لؤلؤة الشهيد والشهيدة...لم يتب عن حب الأبيض والقمح والاختلاف مع الكلمات التي لا تصنع نشيدة...
مسكونٌ بفتنة الخربشات على جدران السجون: صورٌ، جملٌ اغتلاها الصدأ، كرّاسات عتيقة مذهّبة بماء اللحم البشري، أطفالٌ يبتسمون للظلال البعيدة...


هو حكايةٌ لا يعرفها جلعاد شاليت، تتناسل كالسحر على القضبان يرويها نائل البرغوثي وسامي يونس في كِبَرِه للأولاد، أو تلقيها سونا الراعي وأحلام التميمي على عتبات القدس: عينان من مؤبدين لعلاء البازيان أو حياةٌ لمدى الحياة لفؤاد الرازم وحسن سلامة ومحمد أبو علي وسمير القنطار...


مروان البرغوثي الآن يكتب ما تبقى من الوثيقة، ينادي القبائل إلى اجتماع عاجل في سجن هداريم...يضع على الأرض الحافية أصابع أولادهم المبتورة وما تركته نساء الأرض من دموعٍ في غزة ونابلس...
هناك يلتقي الحيّ والشهيد والمبعد والجريح والمجهول بين الأرقام، والناجين من الفئوية والخطابات اللغوية ومن القصف الإسرائيلي...هناك يذوب التناقض ويشفى الوطن..

_______________

من نحن اتصل بنا مقالات وبيانات نشاطات الحملة دفتر الزوار  مواقع مهمة
صوت الأحرارملف القدس ملف الاستيطان ملف الجدار أغاني وطنية وثائق ملف اللاجئين