على حماس تبني
الوفاق الوطني والموافقة على برنامج وطني موحد
مقابلة صحيفة كوريرا ديلا سيرا الايطالية
مع المناضل القائد مروان البرغوثي
هل يمكنك أن تصف لنا الحياة اليومية الروتينية في المعتقل؟ لقد قلت لنا في المرة
السابقة عن قرائتك لكتاب ماريو بوزو، وكتاب دينيس روس، ماذا تقرأ الآن؟
لقد
أمضيت معظم فترة أعتقالي في العزل الانفرادي ولم التقي أحداً من الاسرى وكنت وحيدا
وهي سنوات صعبة مريرة وقاسية وفي ظروف غير انسانية وهنالك عدد من الاسرى
الفلسطينيين يعيشون في العزل الانفرادي من سنوات طويلة. ومنذ عدة اشهر تم نقلي الى
قسم للعزل الجماعي وفيه الكثير من القيادات والكوادر الفلسطينية وقد اضطر الاسرى
قبل سنة ونصف لخوض اضراب مفتوح عن الطعام استمر 3 اسابيع بهدف تحسين شروط الحياة
الانسانية حيث يعاني الاسرى من نقص العلاج الطبي والحرمان من زيارات الاهالي اضافة
الى محاكمات غير شرعية تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي وهي محاكم
صورية تفرض احكاما جائرة وظالمة على آلاف المواطنين الفلسطينيين وتفتقد للحد الادنى
من اصول المحاكمات. واتواجد منذ عدة اشهر في زنزانة رقم 28 في سجن هداريم قرب تل
ابيب ويعيش معي اثنان اخران من الاسرى العرب علماً أن الزنزانة تتسع لاثنين فقط
نستيقظ في السادسة والنصف صباحاً مع العد الصباحي الذي يتكرر 5 مرات في اليوم ويقوم
به السجانون بشكل دوري.
وفي
الساعة السابعة والنصف أخرج لساحة السجن الصغيرة ذات الجدران العالية ومسقوفة
بالاسلاك الشائكة وأمارس بعض التمارين الرياضية اضافة الى رياضة المشي لمدة ساعتين
ونخضع لتفتيش في الدخول والخروج الى الساحة في كل مرة وأقضي معظم الوقت بعد ذلك في
المطالعة حيث قرأت عدد من الكتب في الشهور الاخيرة أبرزها "بومرينج"
Bomring
وهو كتاب باللغة العبرية يتحدث عن فشل القيادة الاسرائيلية في ادارة ومواجهة
الانتفاضة، وكتاب آخر هو "غزة والموت" وهو باللغة العبرية، وكتاب ثالث حول تقسيم
ارض اسرائيل، وكتاب حول شارون الراعي، وكتابين حول جرائم الموساد الاسرائيلي بحق
الفلسطينيين، وقرأت عدد من الروايات في الشهور الاخيرة من أبرزها "شيفرة دافنشي"،
"عالم صوفي"، "الخيميائي"، و"الزهير" لبابلو كويلو، ورواية سعودية اسمها "بنات
الرياض"، وكتاب حول الرئيس الراحل ياسر عرفات باسم "عرفات الذي لا يقهر"، اضافة الى
عدد من المؤلفات السياسية والتاريخية والفكرية والدينية اضافة لمطالعة الصحف
الاسرائيلية الثلاث يومياً وصحيفة القدس الفلسطينية التي تصل متأخرة لايام واحياناً
اسابيع و
أواظب على قراءة شعر محمود درويش وآخر قصائده، كما أعقد لقاءات مع باقي الاسرى
والحوار عن الوضع السياسي اذا سمحت الظروف.
من
هم الاشخاص الذين يتمكنون من زيارتك؟
قبل
عدة اشهر تمكن عدد من الشخصيات الفلسطينية البارزة من الحصول على اذن لزيارتي وذلك
بعد ما يقارب الاربع سنوات من القطيعة المطلقة والعزلة التامة ومنع اي زيارات. وكان
من هؤلاء د.صائب عريقات، جبريل الرجوب، محمد دحلان، قدورة فارس، هشام عبد الرازق،
سفيان ابو زايدة، د.محمد اشتية، د.سلام فياض، اكرم هنية، سميح عبد الفتاح(الملقب
ابو هشام)، جمال الشوبكي، لكن الزيارات توقفت منذ الانتخابات التشريعية الاخيرة،
ومنذ بضعة اشهر فقط حصلت زوجتي المحامية فدوى البرغوثي على اذن للزيارة، وكذلك حصلت
ابنتي ربى الطالبة في السنة الثانية في جامعة بيرزيت حيث قابلتها لاول مرة منذ
اعتقالي، أما ابني الاكبر القسام فهو معتقل منذ سنتين ونصف فلم اراه منذ اعتقالي
وهو في سجن عوفر وأعتقل وهو في السابعة عشرة من عمره، أما الاولاد الاصغر شرف وعرب
فقد تمكنوا من زيارتي في الاشهر الاخيرة فقط.
أضافة الى هؤلاء فأنني أقابل بشكل يومي المحامين وهما الياس صباغ وخضر شقيرات،
وممثلي الصليب الاحمر كل عدة أشهر.
هل لديك اتصال مباشر أو غير مباشر مع السلطة الفلسطينية –
الحكومة- وهل لديك أتصال مع سياسيين اسرائيليين؟
ليس لي اي اتصال مباشر مع السلطة الفلسطينية او الرئيس
او الحكومة الا من خلال المحامين وبشكل محدود، وكان تواصلي سابقاً من خلال
المسؤولين والوزراء الامر الذي توقف منذ عدة اشهر، ولم أقابل أي مسؤول سياسي
اسرائيلي من أعتقالي وحتى الآن.
هل يمكنك أن تخبرنا عن محتوى المبادرة أو الوثيقة الجديدة؟ كم من الوقت استغرقك
لكتابتها؟ هل وزعتها في المعتقل على زملائك؟
لقد أقترحت الوثيقة مع قادة الفصائل بعد نقاش وتبادل
وجهات النظر، وقمت بصياغة واعداد الوثيقة المقترحة وعرضها على ممثلي وقادة الفصائل
وجرى نقاش عميق وشامل استمر عدة اسابيع ولأكثر من عشرة جلسات اضافة الى لقاءات
ثنائية ومتعددة مع قيادات الفصائل منفردة ومجتمعة، وقد جرى اقرار الوثيقة بعد نقاش
عميق واجراء بعض التعديلات على الصيغة التي قدمت وتم التوقيع عليها بالاجماع من قبل
ممثلي الفصائل وقد شارك في الحوار بشكل مباشر عبد الخالق النتشة وعبد الناصر عيسى
وروحي مشتهى وممثلي عن حركة حماس وهم اعضاء في القيادة العليا للحركة وممثليها في
كافة السجون، وشارك بسام السعدي وخالد الزواوي وعبد الرحمن شهاب من قادة الجهاد
الاسلامي، ومن حركة فتح شارك كل من منصور شريم وجمال ابو محسن، ومن الجبهة
الديمقراطية مصطفى بدارنه، وعبد الرحيم ملوح نائب أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين.
وأن ابرز ما جاء في الوثيقة هو أقرار جماعي أن هدف الفلسطينيين بكافة فصائلهم
وأحزابهم أقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على جميع الاراضي
المحتلة عام 67 استناداً الى حقنا التاريخي والى ميثاق الامم المتحدة والقانون
الدولي وما كفلته الشرعية الدولية، أضافة الى ضمان حق اللاجئين بالعودة وتحرير جميع
الاسرى. وهي أول وثيقة توقع عليها قيادات حماس والجهاد وتؤكد على دولة في حدود الـ
67 وهذا أمر هام جداً لانه وحد هدف الفلسطينيين وتتناسب مع الشرعية الدولية التي
أكدت حق الشعب الفلسطيني في الدولة المستقلة، والنقطة الاخرى هي تأكيد الوثيقة على
أن (م.ت.ف) هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين وضرورة التزام حركتي حماس والجهاد
بالانضمام اليها لما تمثلانه من ثقل جماهيري وسياسي وعقد مجلس وطني جديد قبل نهاية
هذا العام، والامر الثالث الاهم في هذه الوثيقة هو أعتبار أن قيادة وادارة
المفاوضات هي من صلاحية (م.ت.ف) والرئيس الفلسطيني، وكذلك أكدت الوثيقة على نقطة
هامة وهي الدعوة لتركيز المقاومة ضد الاحتلال في الاراضي المحتلة عام 67، وهنالك
أيضاً العديد من القضايا الهامة التي اكدت على حماية الديمقراطية الفلسطينية
والتعددية السياسية واحترام سيادة القانون واحترام حقوق المرأة ومكتسباتها التي
حققتها في السنوات الماضية واحترام حرية الصحافة وحقوق الانسان وتطوير المؤسسة
الأمنية الفلسطينية وحضر النشاط الحزبي والسياسي لأفرادها، وضرورة وقف الفوضى
الامنية والدعوة للتعاون بين الحكومة والرئاسة وقد حظيت الوثيقة على دعم الاسرى في
كافة السجون وعلى ترحيب وموافقة الرئيس محمود عباس وقيادة (م.ت.ف) وكافة الفصائل
الوطنية والاسلامية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الفلسطينية البارزة.
كيف أمكنك إقناع عبد الخالق النتشه أن يتحدث عن فلسطين بحدود الـ 1967؟
السيد
النتشه هو أحد مؤسسي حركة حماس ومن قيادتها البارزة في فلسطين ويتمتع بثقة كبيرة في
قواعد حركة حماس وفي السجون وقد أسهم بفعالية كبيرة وبعقل منفتح في إنجاز هذه
الوثيقة وهو منطلق من الايمان بالشراكة الوطنية والبحث عن تعزيز الوحدة ومنطلقاً من
معاناة شعبنا الفلسطيني، وقد أقرت قيادة حماس في السجون والتي تتكون من 15 عضواً
يقودها عبد الناصر عيسى هذه الوثيقة بالاجماع.
لقد استبعد خالد مشعل عدة مرات إمكانية إعتراف حماس
بإسرائيل، وقال بأن فتح وحماس يجب ان تتحدا تحت راية الجهاد لتحرير فلسطين. كيف ترد؟
ان
من حق حماس أن تقرر ما تشاء ونحن نحترم قرارها وهي تقود حكومة تحظى على أغلبية
برلمانية، ولكن من أجل الخروج من المأزق الحالي والازمة الصعبة يتوجب تشكيل حكومة
وحدة وطنية تستند في برنامجها الى هذه الوثيقة وتكون قادرة على حشد الدعم العربي
والدولي لنضالنا العادل، ونحن نؤمن بضرورة التمسك بحق شعبنا في مقاومة الاحتلال الى
جانب العمل السياسي والدبلوماسي والتفاوضي والمقاومة الشعبية والجماهيرية وان احدا
لا يستطيع في الوضع الفلسطيني الحالي ان يقود الشعب الفلسطيني بمفرده، وان رحلة
التحرر من اجل انجاز الحرية والعودة والاستقلال والشراكة بين فتح وحماس الزامية
وعمل اجباري لنيل الاستقلال.
ما
موقفك تجاه الحكومة الاسرائيلية الجديدة؟ هنالك عمير بيرتس وزير الدفاع، وهو مدني
من حزب العمل الذي دعا إلى مفاوضات فورية مع أبي مازن؟
أن على الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس وحكومتها
أعلنت عن تفويض (م.ت.ف) والرئيس عباس لقيادة المفاوضات على ان يتم اجراء استفتاء
شعبي حول الاتفاق النهائي، والمشكلة ان الجانب الاسرائيلي ليس جاهزاً لمفاوضات جدية
تقود لوضع جدول زمني للانسحاب الشامل من الاراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس
الشرقية، ولم تظهر حكومة تل ابيب اية نية حقيقية او جدية للمفاوضات وهي تستخدم
الحديث عن المفاوضات لذر الرماد في العيون ولديها قرار استراتيجي لسياسة فرض الحل
الاسرائيلي من طرف واحد وتجاهل الشريك الفلسطيني، وهي مستمرة بسياسة العدوان والقتل
والاغتيالات والاعتقال وبناء جدار الفصل العنصري الذي حول حياة الشعب الفلسطيني الى
جحيم اضافة الى نشر 743 حاجزاً عسكرياً مما يجعل من الضفة الغربية جزراً صغيرة
معزولة من بعضها البعض في مساحة محدودة جداً، وتواصل اسرائيل فرض الحصار والاغلاق
ومنع تصدير واستيراد البضائع وعزل الضفة عن غزة وتعتقل ما بين 800-1000 فلسطيني
شهرياً وهنالك الآن عشرة الاف أسير في معسكرات الاعتقال والسجون.
بل يمكن القول أن الشعب الفلسطيني بأكمله أسير وإسرائيل هي أكبر سجان عرفه التاريخ
الانساني فهي تسجن أربعة ملايين فلسطيني في أقفاص وتسير باتجاه تجويع الفلسطينيين
وحرمانهم من أبسط حقوقهم، واذا كانت حكومة اولمرت –بيرتس جادة في المفاوضات فعليها
أولاً وقف هذه السياسة العدوانية.
ما
رأيك بالانسحاب الأحادي الجانب من غزة، لقد تمكن شارون أبو الاستيطان أن يعمل شيئاً
ويغير من الصورة السياسية؟
لقد
كنت من أول المرحبين بالانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة فور أعلان شارون عن نيته
الانسحاب وكنت على قناعة أنه سينفذ ذلك.
وذلك لأن مشروع الاحتلال وصل الى طريق مسدود وأصبح مكلفاً لاسرائيل التي فشلت في
كسر ارادة وصمود الشعب الفلسطيني، ولم يكن من خيار أمام شارون سوى برحيل مستوطنيه
عن 5% من الاراضي المحتلة عام 67 وكان قرار الانسحاب من قطاع غزة قراراً اسرائيليا
بالاتجاه الصحيح وخطوة صغيرة على طريق انهاء الاحتلال، وعلى اسرائيل ان تكمل
انسحابها بشكل كامل من الضفة والقدس لأن هذا الأمر وحده سيقود الى سلام حقيقي بين
الشعبين وأن يحيا الشعبان بسلام جنباً الى جنب، وعلى حكومة اسرائيل ان تدرك ان لا
مستقبل للاحتلال والاستيطان في الضفة والقدس واننا مصممون على مواصلة نضالنا حتى
نيل الحرية والاستقلال.
من المستحيل تحقيق السلم والامن والاستقرار الشامل في الشرق الاوسط الا بوضع حد
نهائي للاحتلال الاسرائيلي كمدخل اساسي نحو انهاء الصراع نحو السلام، وان ابقاء
الصراع مشتعلاً في هذه المنطقة سيقود خلال السنوات القادمة الى اتخاذ شكلا وبعداً
اخطر بكثير مما هو عليه الحال الآن، الامر الذي قد يعصف بالاستقرار على نحو عميق
وشامل في هذه المنطقة ويهدد السلام العالمي الذي سيدفع ثمنه الجميع في هذا العالم،
وكذلك فان على المجتمع الدولي التحرك سريعاً وبشكل نزيه وصادق لانهاء هذا الصراع
بما يضمن منح الفلسطينيين حقوقهم الوطنية وقيام دولتهم االمستقلة باعتبار ذلك مفتاح
للسلم في هذه المنطقة والعالم.
هل تعتقد أن حماس في النهاية يمكن أن تختار أن تكون
عملية؟
أذا ارادت حماس ان تلعب دوراً اساسياً هاماً وان تستمر
في قيادة الحكومة فعليها ان تبادر الى تبني الوفاق الوطني والى الموافقة على برنامج
وطني يمثل القواسم المشتركة لكافة الفصائل، وآمل ان تعمل حماس بشكل جدي لتشكيل
حكومة وحدة وطنية وآمل ان نشهد قريباً خطوات جادة نحو هذا الهدف وان يبتعد اي طرف
عن التفرد او التمترس او المراوحة في المكان، وان ضمان حريتنا وعودتنا واستقلالنا
هو في تجسيد الشراكة الوطنية في كافة المستويات ودون أبطاء.
_________________________________