:: التغطية الاعلامية ::
وراء الكلام - قسام واليوم السابع
-
بقلم احمد دحبور
-
كاتب فلسطيني
احسبوها بدقات
القلوب ورمشات العيون. واذا كان هذا مستحيلا فاحسبوها بعدد توالي الشهور والفصول.
احسبوها بعدد صفحات ملفات حقوق الانسان كم تسعة وثلاثين شهرا في حياة الفتى الذي لم
يكد يتجاوز الثلاثة والعشرين عاما. ومن الذي سيعوضه عن كل يوم قضاه بعيدا عن أمه
وأبيه، عن جدته واشقائه عن اترابه في الحي وجيرانه في البلد؟ وكم يحتاج قسام مروان
البرغوثي ليلتقط انفاسه، بعد استقبال المهنئين والمتضامنين؟ ومتى سيشارك والدته
واشقاءه وذويه رحلة الضنى لزيارة أبيه في السجن الذي كان هو في سجن شبيه له؟ مع أنه
لا سجن يشبه السجن. ولا سيما اذا كان الأسير، كالأب والابن، مختطفا في وضح النهار،
بتهمة واحدة وحيدة: انه فلسطيني؟
ما زلت اذكر مقاضاة المظلوم للظالم في احدى الروايات الكلاسيكية، عندما قال المظلوم
ان لديه ثمانمئة والف سبب لعدم الصفح عن الظالم، وتلك هي الايام التي قضاها في
الحبس ظلما وافتراء. لكن هذه ارقام متواضعة امام الاخبار التي تتواتر يوميا عن
المحكومين ثلاثة مؤبدات واربعة مؤبدات، او عن اولئك الذين زرعوا اشجارا في ارض
الحبس، ومكثوا حتى اكلوا من ثمارها..
ليس هذا فصلا من جحيم دانتي. ولكنه فصل متجدد من ملحمة المعاناة الفلسطينية على
مرأى من العالم الذي لم يكلف نفسه عناء السؤال: ما الذي يمكن ان يجنيه فتى او فتاة
في الثامنة عشرة من العمر، حتى يقضي او تقضي زهرة الشباب والأمل شهورا وسنوات بين
القضبان؟ وما الذي يمكن ان تكون قد جنته الأم والأخت الصامدتان وهما مشدودتان الى
حبس الابن او الزوج او الاخ، انشداد قطبي بوصلة البحر الى الشمال والجنوب؟
وهل كان لدى قسام مروان البرغوثي وقت وهو خارج لتوه من كهف السجن الى نور الشمس
المبهر، ليرى الكلاب الضخمة التي يطلقها الجلادون المسعورون على الأمهات والخالات
والعمات، وهن يعبرن درب الآلام ليصلن الى بيوتهن؟.. اشهد انني رأيت هذا عن كثب. كان
ذلك عام 0002، اي ان هذا التقليد الكلبي معمول به منذ سنين، ولم تلتقطه كاميرا خفية
اثر مصادفة يتيمة. فقد كنت انتظر ام يسار عند معبر ايرز، بعد ان حققت معجزة زيارة
شقيقتها في رام الله اثر انتظار بضع سنوات. وهناك عند حاجز ايرز، برزت لها الكلاب
الثلاثة بأنيابها التي تسيل فزعا ولعابا. ولأنها كلاب مدربة، تعرف المطلوب منها
وكيف تؤديه، فقد اكتفت باحاطة المسافرة المذعورة من ثلاث جهات، ورافقتها خطوة بخطوة
على ايقاع النباح والهرير وضحكات الجنديين المتمنطقين بالسلاح..
ولا شك ان كلاب ايرز 0002، هي غير الكلاب التي صورتها الكاميرا الخفية - يوم خروج
قسام البرغوثي من السجن، بالمصادفة - وهي تنقض على المرأة الفلسطينية المذهولة التي
لم ترتكب من الذنوب الا انها عائدة من بيتها او ذاهبة اليه..
وبعد، يا قسام.. أهلاً بك يا بني خارجا من جحيم السجن الى كابوس الوطن المحاصر.
أهلاً بك وأنت تتحسر على فرصة وداع الجدة التي لم يصمد قلبها أمام المعاناة اليومية
للابن والحفيد.. أهلاً بك وانت تحصي على دقات القلب عدد الأيام وقضبان السجون التي
فصلتك عن مروان البرغوثي.
لكن هل تدري؟.. لم تكن وحدك في الزنزانة. كما ان اباك ليس وحده الآن، وهو شأن احمد
سعدات وعبد الرحيم ملوح وركاد سالم وفؤاد الشوبكي وحسن يوسف وعشرة آلاف حلم منذور
لنور الحرية.. ولم تكن أمك الباسلة وحدها وهي تطرق الأبواب وتهز الجدران المقفلة
على الضمير.. ومن الأكيد انك تعلم الآن ان الامهات والاخوات والعمات والخالات
والبنات قد جعلن من كل يوم اثنين - واليوم يوم اثنين - مناسبة اسبوعية للتذكير
باسرى الحرية..
فخذ راحتك واستجمع انفساك الآن. ومعك ستة ايام حتى تخرج في اليوم السابع مع الوالدة
والاشقاء وذوي رفقائكم وشقيقاتكم من اسرى الحرية، تحملون صورة مروان وصور زملاء
مروان وزميلاته، ليلتمع زجاجها في شعاع الشمس المواجه لمقار الصليب الأحمر الدولي..
لقد خلق الله الارض في ستة ايام ثم استوى على العرش. وفي اليوم السابع تدب الحياة
في الحياة، ولكن كم سيطول عمر الاحتلال؟..
26-3-2007
______________