:: الاستيطان الجغرافي
والديموغرافي وخطورته في قضية القدس ::
الاحتلال الإسرائيلي للقدس العربية
حرب حزيران وتوحيد المدينة:
أدت حرب حزيران إلى
إحداث أهم التغييرات الدراماتيكية في ترسيم حدود بلدية القدس، حيث أضيف إلى حدودها
70 ألف دونم. غير أن هذا الإجراء لم يتم عبر الطرق القانونية المتبعة مثل تشكيل
لجنة تحقيق للبحث في الموضوع، بل عملت حكومة إسرائيل والكنيست على ضمها من خلال
إجراءات قانونية سريعة تم الانتهاء منها بعد سبعة عشر يوما من انتهاء الحرب.
واحتارت الحكومة في
الطريقة القانونية الواجب اتباعها لضم القدس آخذة بعين الاعتبار الخوف من رد فعل
شديد من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وفي نهاية الأمر أقرت الحكومة موقف وزير
العدل الذي طالب بضم القدس بواسطة قانون قائم، وأن يتم الضم من دون ذكر اسم
المدينة، وفي هذا الإطار قدمت للحكومة والكنيست الاقتراحات التالية:
1ـ قانون مساحة الأراضي
والصلاحيات الصادر في عام 1948 الذي يسمح بتطبيق القانون الإسرائيلي على جزء من أرض
إسرائيل يعتبرها وزير الدفاع مدارة من قبل الجيش الإسرائيلي, وحسب هذا الأمر تم ضم
القدس الغربية ويافا والناصرة..الخ. لكن هذا الاقتراح رفض لأن الحديث يدور عن توحيد
مدينة القدس.
2ـ قانون الأراضي
المهجورة الذي يمنح الحكومة صلاحية الإعلان عن الأراضي التي احتلت، أو استلمت أو
هجرت، كأرض مهجورة. وهذه الطريقة تم رفضها أيضا.
3ـ قانون ترتيب السلطة
والقانون حيث اعتبر هذا القانون أفضل طريقة لضم القدس ـ حسب رأي وزير الداخلية ـ
وتمنح الخطوات المتبعة مكانة شرعية إذا تم الضم من خلال إدخال تعديلات على قانون
أمر ترتيب السلطة والقانون الذي صدر في 26 أيلول 1948، وصيغة التعديل الجديد ـ 11ب
ـ أقرتها الكنيست في 27حزيران 1967 وكانت كالتالي "القانون والقضاء وإدارة الدولة
تسري على أية مساحة من أرض إسرائيل تقررها الحكومة".
وفي صبيحة اليوم التالي
نشرت سكرتارية الحكومة أمراً تلحق بموجبه البلدة القديمة ومساحات واسعة أخرى ـ
خصوصا من شمال وجنوب المدينة ـ إلى دولة إسرائيل، وبالإضافة إلى الأمر السابق فصلت
حدود الأرض المشمولة بالضم، ولم يتم ترسيم الحدود على خرائط بل تم الإشارة إليها
بخطوط وهمية. وبهذه الطريقة تم ضم مدينة القدس من دون ذكرها لرغبة الحكومة في تمويه
الأمر خشية رد فعل عالمي شديد. وبالإضافة إلى سن القانون وإصدار الأمر تم استخدام
تشريع ثالث لإكمال الضم هو قانون البلديات بند 18أ الذي يخول وزير الداخلية توسيع
حدود البلدية من خلال إعلان دون الرجوع إلى قرارات لجنة تحقيق. وبهذه الطريقة ضمت
كل الأراضي التي شملها البند (1) من قانون السلطة والقانون، واعتماداً على ذلك وقع
وزير الداخلية في 28 حزيران 1967 أمراً يسمح بموجبه توسيع حدود بلدية القدس.
وخلافاً للإعلانات
السابقة لم يلحق بالإعلان أية خارطة بل وضعت علامات وهمية ـ مثل الأمر الذي أصدرته
الحكومة ـ ويبدو أن هذا الأمر تم من أجل تجاوز أي نقاش حول "عرض الخط" الذي ميز
حدود البلدية من 1948-1967. وعليه، كيف رسمت حدود بلدية القدس؟. لقد اشتغل في ترسيم
حدود المدينة عدة مستويات هي: الحكم العسكري في القدس، قيادة المنطقة الوسطى، هيئة
الأركان العامة، ولجنة الوزراء التي تبحث في طرق الضم، وبالإضافة إلى ذلك قدمت
السلطات الإسرائيلية المختلفة اقتراحات كانت تبحث باستمرار ـ تركزت المباحثات في
اللجنة الفرعية المتفرعة عن لجنة وزراء توحيد القدس، وشارك في اجتماعات اللجنة
موظفي قسم التخطيط في وزارة الداخلية ومجموعة من كبار ضباط الجيش أبرزهم مساعد رئيس
قسم العمليات في هيئة الأركان (رحبعام زئيفي ـ غاندي), ولم تعين اللجنة بطريقة
رسمية ولم يحدد طابع عملها.
وبحثت اللجنة في اقتراح
"الحد الأعلى" الذي طالب بضم 200 ألف دونم تبدأ من قلنديا في الشمال وحتى بيت لحم
في الجنوب، ومن معاليه أدوميم في الشرق وحتى معاليه هحميشاه في الغرب، وتضم المنطقة
المقترحة 22 قرية يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة. كما بحثت اللجنة في اقتراح "الحد
الأدنى" الذي يدعو إلى ضم منطقة أقل من الاقتراح الأول ـ تتكون في الأساس من حدود
البلدية الأردنية ـ وبحثت اللجنة ساعات طويلة في مسألة الحدود الجديدة وهل يضم مطار
قلنديا أم لا، وكيف يمكن شق شارع التفافي يربط شمال الضفة مع جنوبها من دون أن يمر
بحدود بلدية القدس. وكان النقاش داخل اللجنة شديداً لإدراك أعضائها أن الحدود التي
سيقرونها ستكون حدود الدولة في المستقبل القريب. وفي النهاية قدمت اللجنة توصياتها
إلى لجنة الوزراء التي يرأسها وزير الدفاع (موشيه ديان) الذي قام على ما يبدو
بتقليص مساحات الضم إلى اقتراح "الحد الأدنى".
إذا ما هي المبادئ
الأساسية التي أدت إلى ترسيم حدود المدينة؟.
أولاً: هدفت عملية الضم
إلى توفير أراضي واسعة لضمان توسيع المدينة وتطويرها، وفي نفس الوقت الامتناع عن ضم
مخيمات اللاجئين والقرى العربية المكتظة بالسكان، وهدف الضم إلى بناء ضواحي يهودية
جديدة تفشل في المستقبل أية محاولة لتقسيم المدينة من جديد.
ثانياً: كان الهدف من
عملية الضم هو الفصل بين اقتصاد القدس وبين اقتصاد الضفة الغربية، وعليه أبقت
اللجنة مصنع السجائر في شارع أريحا ومصنع العرق في رام الله خارج حدود المدينة.
ثالثاً: ضم من الناحية
الاستراتيجية والأمنية، حيث طرح الضباط الذين شاركوا في اللجنة أفكاراً حول حدود من
السهل الدفاع عنها، وعليه اقترح الضباط ضم جزء كبير من قمم الجبال التي تحيط بمدينة
القدس (ومن غير الواضح لماذا لم يشمل ترسيم الحدود حينها جبال غيلو والنبي صمويل
ومرتفعات معالية أدوميم).
رابعـــاً: ضرورة وجود
إنشاءات مهمة مثل مطار قلنديا والمذبح في شعفاط ضمن حدود بلدية القدس.
خامساً: اهتم هذا البند
بملكية الأراضي والترتيبات السابقة فيها. حيث تم ضم الأراضي اليهودية في منطقة
النبي يعقوب، أما قبر رحيل فقد ضم إلى حدود بلدية بيت لحم ولم يضم إلى بلدية القدس
على الرغم من طلب رئيس الحكومة (ليفي أشكول).
خلال تحليل المعطيات
التي أدت إلى الضم يتبين أن الاعتبارات التخطيطية والحضرية لم تأخذ بعين الاعتبار
بصورة كبيرة، وعليه فإن اللجنة التي عينت لرسم خارطة القدس عام 1967 أوصت "بترسيم
حدود جديدة للمدينة بواسطة مد حدود المدينة من (4ـ6) كم إلى الشرق وإضافة أراضٍ
أخرى من الغرب.
ووصلت مساحة الأراضي
التي شملها الضم ما يقارب 70.5 ألف دونم منها 6.5آلاف دونم من حدود البلدية
الأردنية، أما بقية الأراضي فقد تم اقتطاعها من 28 قرية وتم ضم بعض القرى بأكملها
أو جزء منها إلى حدود بلدية القدس، وكانت جزءاً من الأراضي المضمومة مقتطعة من حدود
بيت لحم وبيت جالا.
وأدت عملية الضم إلى حل
مؤقت لبعض المشاكل التي تطارد البلدية مثل أراضٍ واسعة لبناء ضواحي جديدة ومقبرة
جبل الزيتون التي ساعدت على سد النقص في الأراضي المخصصة للدفن في هارهنموحاه
والمذبح الذي عاد لخدمة شقي المدينة والمزبلة الجديدة التي خطط لوضعها في التلة
الفرنسية، ونتيجة لضم مطار قلنديا تخلت البلدية عن إقامة مطار في بيت هكارم, ولكن
على المدى البعيد بقيت مشكلة نقص الأراضي المعدة للبناء والصناعة وما شابه ذلك في
القدس كما هي. وعلى أية حال فإن ترسيم حدود بلدية القدس تم في هذه المرة بعد حرب
كما حدث في عام 1948.
ومنذ الساعات الأولى
للاحتلال بدأت السياسة الإسرائيلية والجرافات برسم المعالم لتهويد القدس، من أجل
فرض الأمر الواقع وإيجاد أوضاع جيوسياسية يصعب على السياسي أو الجغرافي إعادة
تقسيمها مرة أخرى. وشرع في وضع أساسات الأحياء اليهودية في القدس الشرقية لتقام
عليها سلسلة من المستوطنات تحيط بالقدس من جميع الجهات، وإسكان مستوطنين فيها
لإقامة واقع جغرافي وديمغرافي وإحداث خلخلة سكانية في القدس العربية، وبعد أن كان
السكان الفلسطينيون يشكلون أغلبية في سنة 1967 أصبحوا بعد عمليات المصادرة وبعد
إقامة المشاريع الاستيطانية وفتح الطرق والبناء ضمن الأحياء العربية يسيطرون على
14% من الأراضي. وبعد ذلك أتت مرحلة أخرى من مراحل التهويد ورسم الحدود، وهي رسم ما
يسمى حدود القدس الكبرى (المتروبوليتان ) تشمل أراضٍ تبلغ مساحتها 840 كم2 أو ما
يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية. لتبدأ حلقة أخرى من إقامة مستوطنات خارج حدود
البلدية لكن هدفها هو التواصل الإقليمي والجغرافي بين المستوطنات الواقعة في الضفة
الغربية وخارج حدود البلدية بالإضافة إلى إقامة شبكة من الطرق بين هذه المستوطنات.
وهكذا فإن خارطة الحكومة الإسرائيلية للاستيطان في منطقة القدس الكبرى تشمل (غوش
عتصيون، إفرات، معاليه أدوميم، جبعات زئيف) ويجري فيها البناء بطاقة كاملة.
____________________________________