مروان لا تناقش أحدا...إهتم بصوتك
29/10/2011
بقلم عيسى قراقع
وزير شؤون الأسرى والمحررين
لم تسأل السجان كم الساعة الآن، فقد ضبطت وقتك الفلسطيني تماما بما يوحي به قلبك، ودربته على التأقلم بين الليل والنهار، مبتسما لخاطرة غامقة في صومعة النسر هاتفا: تحيا الحياة.
لا زلت شريكا في الميدان وفي القرار وفي الدم وفي السجن وفي الحياة والممات، لم تجف، واقفا على جبل يطل على البحر والقدس كأنك هذا البشري الذي يوصل الأرض بالسماء نزفا نزفا، لتقرأ المشهد ما استطعت القراءة ، ولتكتب سيرة المكان ما استطعت الكتابة، حرا كذاكرة عالية.
خرج الأسرى من شقوق الجدار ومن المؤبد والمغلق، فاحتضنت الهواء الذي تبقى، وأمعنت في ضخ النشيد حتى لا ينقطع النبر من صوتك، وتولد الكلمات على رقعة الظلام تشع و تشع، متحرشا بالفجر، تطيل السلام على الصحو الذي لا يموت.
شطبوك من الصفقة وتركوك على الصليب كي ترتاح تل أبيب من صدى الرمز إذا نزل البحر وانطلق الطوفان، وعاد كل سجان الى خوفه لا أمس له ولا آخرة، لا أرض ولا ساحل سوى شاهد يقوم من مجزرة على فرس عائدة.
اليوم التالي لتبادل الاسرى كله كان لك، مسكت بأيدي كريم يونس وعيسى عبد ربه وأحمد سعدات وعباس السيد وهزاع السعدي واحمد كميل ، واتفقتم أن لا تفتشوا عن الأسماء المنسية في القائمة ، لا عن معاق ولا مريض، لا عن طفل ولا امرأة ولا من تجاوز ربع قرن من عمره في العتمة، واقعيون اتفقتم أن تفتحوا بابا للغد يأتي دون عون
اليوم التالي لتبادل الاسرى أعددت الشوربة للأسرى الذين خاضوا إضرابا مفتوحا عن الطعام لمدة عشرين يوما، وقلت لهم: نحن القتلى في الزنازين والمعسكرات، المرميون في منطقة غير حيادية، لا السلام يقترب ولا الحرب تبتعد، نحن الأقدر على النسيان وعلى الغفران، وأمامنا سحب تبشر بالشتاء.
ودعت الاسرى المحررين وأنت تبكي فرحا، عانقتهم كأنك تعصر من أجسادهم عسل التراب، كل أسير له وحي وكتاب ميعاد، وكل حر هو رواية تحمل تابوتها الى أرض هناك، وكنت سعيدا سعيدا لأن الخرافة العبرية قد تهشمت ، وانطلق الحلم من مدار السجن الى أقاصي الحنين.
ودعتهم واحدا واحدا، مسحت شبح الزنازين عن وجوههم، خلعت عنهم قمصانهم البنية والأرقام وأضأت عيونهم بالأسماء، أوصيتهم بالوحدة الوطنية والحذر من الوقوع في مصيدة الفصائلية، وقلت لهم: كونوا كبارا كفلسطين التي لا ينقصها مسجد ولا كنيسة، وأن تبقى الصلاة جماعة والسماء سماء.
مروان البرغوثي لا تناقش أحدا، اهتم بصوتك، وبما فيك من إيقاع آخر لم يستطيعوا أن يقيدوه أو ينتزعوه، المطلق فيك، صوت ليلة القدر، فيضان النهر، حلمك الذي غير شكل الكوابيس، قلبك المرصوص بالبيوت المفتوحة، حياتك معك لك وللآخرين وللضوء في جريان الماء.
مروان البرغوثي لا تناقش أحدا، اهتم بصوتك، خلف الزنزانة ينضج الزمان، كنت شهيدا في قائمة الأحياء، وكنت حيا في قائمة الشهداء، والى الأعلى صعدت ولم تلتفت للوراء، تقوم عند الفجر لترى غزة، وعند المساء تعود الى رام الله، لا تحتاج الى فتوى لامتدادك في الهواء.
مروان البرغوثي لست بحاجة الى احد ليتحدث باسمك، ولست بحاجة الى من يفصلك ويضعك هنا وهناك، خارج المعيار أو داخل المعيار، وحدك تحمل بطولتك وحضورك، ووحدك تذوب ليكتمل الآخرون، حليبك ساخن في ثدي القدس اليتيمة، لم تصدق غير صلاتها وصلبانها وملائكة المدينة.
مروان البرغوثي اهتم بصوتك، وعش كأنك لا ترى أحدا يراقبك خلف برج الحراسة، وأنشد واقفا كأنك لا ترى جلادا يصطاد حلمك تحت النافذة.
مروان البرغوثي اهتم بصوتك واتبع خطاك، وكأنك لا ترى أحدا يجزئ الاسرى الى أمكنة وفصائل وقبائل لتقول له: لا أسمعك ولا أراك، فانا المتكامل الكلي بأعضائي وأسمائي ولغتي وعاداتي، ولا أراك.
صحيفة القدس الفلسطينية












